نوستالجيا بين وتر الدعاء وهمسات البحر… تراويح جامع القائد إبراهيم بالإسكندرية

نوستالجيا بين وتر الدعاء وهمسات البحر… تراويح جامع القائد إبراهيم بالإسكندرية
بقلم/د. محمد السيد
في زوايا الذاكرة الأسكندرانية، حيث يتلاقى حنين الماضي مع نسائم الحاضر، تشرق «نوستالجيا» رمضان في قلب الإسكندرية، وتحديدًا عند جامع القائد إبراهيم؛ ذلك الصرح العتيق الذي يشهد كل ليلة للعابدين صلاتهم وجلساتهم الخاشعة في صلاة التراويح.
جامع القائد إبراهيم.. بين التاريخ والمكان
يقف جامع القائد إبراهيم شامخًا في قلب الإسكندرية، وهو من أعرق جوامع المدينة التي تحمل في بنائها وعبقها عبق التاريخ العريق. سُمي الجامع باسم القائد إبراهيم باشا — أحد رجال الدولة العثمانية في القرن الـ19 — الذي أسهم في تأسيسه وتطويره، ليكون منارة للعلم والدعاء في المدينة الساحلية.
يقع الجامع في إحدى أقدم مناطق الإسكندرية، بالقرب من شواطئ البحر الأبيض المتوسط؛ حيث تمتزج روحانية المكان مع روعة الأفق الأزرق، فتبدو دعوات المصلين كأنها تتحلق مع أمواج البحر وتسبح في فضاء السماء.
في أروقة هذا الجامع، عبر أجيال من الأسكندرانيين، تم تكرار الصلاة والتعلم والذكر؛ فمنه انطلقت حلقات العلم، ومنه ارتفعت أصوات الأذان تحت قبة الزمن.
تاريخ الناس وقصصهم مع الصلاة فيه
وُلِدَت علاقةُ الإسكندرانيين بصلاة التراويح في هذا الجامع منذ عقود طويلة، فمنذ أن كنت تراها حيثُ تتجمع الأسر والأصدقاء، كبارًا وصغارًا، يأتون مبكرًا ليستلموا أماكنهم ويتهيأوا لبرهة روحانية تنسج بين القلب والسماء.
لقد تحولت التراويح في هذا الجامع إلى تقليد محبب يتناقلونه عبر الأزمنة؛ يتذكر الأهالي الليالي العطرة التي كانوا يكررون فيها السور تفسيرًا وتدبرًا، ويتجاذبون أطراف الحديث عن النبي ﷺ وكيف جعل هذه الصلاة سنةً مجتمعية تُجمع عليها القلوب في رمضان.
من رواد الجامع وأهله حكاياتٌ تُروى عن لحظات التأمل في السجود، وتلك الابتسامات الودودة التي كانت تعبر بين المصلين، وعن الدعوات الخفيفة التي تخرج مع كل ركعة وكأنها تُلقى إلى الله مباشرةً من على أمواج البحر.
التراويح… معنى اللفظ وسنّة الصلاة
لفظ «التراويح» مأخوذ من اللغة العربية، ويعني الراحة والاستراحة؛ حيث كان النبي ﷺ يأمر الصحابة بإراحة القلوب والأبدان بين الركعات، فكانوا يتراوَحون بين الركوع والسجود، وهذا ما أطلق عليه العُبَّاد المسلمون في رمضان «صلاة التراويح» التي تُقام بعد صلاة العشاء في ليالي الشهر الفضيل.
سنَّ النبيُ ﷺ هذه الصلاة حينما جمع الناس عليها في المسجد النبوي، فكان المؤمنون يتراصُّون خلفه، يتلون القرآن بخشوع، حتى اعتاد الصحابة رضي الله عنهم على هذا الجمع المبارك؛ ومن ثم انتقل هذا التقليد الجميل إلى مشارق الأرض ومغاربها، إلى أن بلغ الإسكندرية وأطلق جذوره في بقاعها، ليكون جامع القائد إبراهيم من أهم المواكب التي تقام فيها صلاة التراويح بحضور عظيم.
أجواء الفجر والبحر والإسكندرية
في رمضان، ومع اقتراب وقت التراويح، تنخفض حرارة المدينة قليلًا، وتتهادى نسائم البحر الأبيض المتوسط نحو صحن الجامع، كأنها همسات تهدئ القلوب قبل الصلاة. تُضاء المصابيح في أروقة الجامع، ويكتظ المكان بالمصلين الذين يمتزج صوتهم بصفير الريح وأمواج البحر القريبة.
تحمل أزقة الإسكندرية رائحة الخبز الطازج والبلح في فترة الإفطار، ثم يصطف الناس بروح جماعية إلى الجامع ليؤدّوا تراويحهم، تتعالى الأصوات بخشوع، وتزداد القلوب طمأنينة في تلك اللحظات التي تُخلّد في ذاكرة كل من وقف بين يدي ربه تحت قبة *جامع القائد إبراهيم.
وهناك، بين البحر والسماء، بين وردات المناجاة وصدح القلوب، تبقى نوستالجيا التراويح حيَّة في الإسكندرية؛ حكاية تُروى وتُعاد، مع كل ليلٍ رمضاني جديد.













