علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

التربية بالحد الأدنى من تشكيل السلوك 

التربية بالحد الأدنى من تشكيل السلوك 

بقلم: د.عبير عاطف 

 حين يُترك الطفل ليبني عاداته وحده

في كثير من البيوت، لا يحدث ما يمكن وصفه بإهمال واضح، ولا أيضًا تدخل تربوي مباشر ومكثف. بل توجد مساحة رمادية هادئة، يتراجع فيها التوجيه التدريجي، ويقل فيها تشكيل السلوك اليومي، حتى يبدو الطفل وكأنه يتعلم كيف يتصرف… من تلقاء نفسه.

هذا النمط الهادئ من الحضور التربوي قد لا يلفت الانتباه في البداية، لكنه مع الوقت يترك أثرًا تراكميًا في بناء السلوك والعادات.

يعتمد علم النفس السلوكي على فكرة أساسية مفادها أن السلوك لا ينشأ تلقائيًا، بل يتكوّن من خلال التعلم بالملاحظة والتعزيز والتكرار.

ووفق نظرية التعلم الاجتماعي لـ”باندورا”، يتعلم الطفل من خلال مراقبة النموذج الأسري، أي أن سلوك الأهل اليومي يمثل المصدر الأول لتشكيل سلوكياته. وعندما يقل هذا النموذج أو يغيب بشكل فعّال، يفقد الطفل أحد أهم أدوات التنظيم السلوكي.

التربية بالحد الأدنى من تشكيل السلوك

في هذا النمط من التربية، لا يتلقى الطفل ما يكفي من التوجيه في المواقف اليومية البسيطة مثل إدارة الغضب، أو التعبير عن الاحتياج، أو التعامل مع الخطأ.

ومع الوقت، لا يتوقف التعلم، لكنه ينتقل إلى مصادر غير موجهة مثل الأقران أو المحتوى الرقمي، مما يؤدي إلى تشكّل سلوكيات غير متوازنة أو غير متسقة.

كما يوضح علم النفس أهمية التعزيز الإيجابي في تثبيت السلوكيات المرغوبة. فغياب الثناء أو التقدير لا يؤدي فقط إلى ضعف تكرار السلوك الجيد، بل يقلل أيضًا من الدافعية الداخلية للطفل، لأنه لا يحصل على إشارات واضحة حول ما هو مقبول وما هو غير مقبول.

ومن جانب آخر، فإن غياب التصحيح السلوكي المتدرج قد يسمح بتراكم سلوكيات صغيرة غير مرغوبة، تتحول مع الوقت إلى عادات ثابتة يصعب تعديلها لاحقًا. فالتدخل المبكر لا يعني السيطرة، بل يعني الوقاية من ترسخ أنماط سلوكية غير مناسبة.

التربية بالحد الأدنى من تشكيل السلوك

المشكلة الأساسية في هذا النمط ليست في منح الطفل مساحة من الحرية، بل في غياب الإطار الذي ينظم هذه الحرية.

فالطفل قد يبدو مستقلًا، لكنه في الحقيقة يبني سلوكه بشكل عشوائي، دون بوصلة واضحة توجه اختياراته أو تفسر له النتائج.

التربية الفعالة لا تقوم على الإهمال أو السيطرة، بل على التوازن بين الحرية والتوجيه. فهي تقدم نموذجًا سلوكيًا، وتعزز السلوك الجيد، وتصحح الخطأ بشكل هادئ ومتدرج، بما يسمح للطفل بتكوين عادات مستقرة ومتوازنة.

وفي النهاية، يمكن القول إن السلوك لا يُترك لينشأ وحده، بل يُبنى عبر تدخلات تربوية واعية، لأن غياب التشكيل لا يعني الحرية دائمًا، بل قد يعني ترك الطفل يتشكل من دون وعي تربوي منظم.

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي