أدبي

تحت الثرى

غادة بوفخرالدين

فوق الثرى

الكاتبة: غادة بوفخرالدين

وقفتْ فوق الثَّرى كأنها آخرُ ما تبقّى من الحكاية، يداها مرتعشتان، وعيناها معلّقتان بالأرض كأنها تبحث عن جوابٍ مدفونٍ في التراب. كان البكاء ينحدر منها مرًّا، بلا صوتٍ أحيانًا، وأحيانًا كأنه انكسارُ قلبٍ لا يجد طريقه إلى النجاة. والريح تمرّ من حولها خفيفة، لكنها في داخلها كانت عاصفةٌ لا تهدأ.

بدا كل ما حولها ساكنًا على غير عادته، كأنه يصغي لوجعها دون أن يملك ردًّا. رفعت رأسها قليلًا، ومسحت دموعًا لم تنتهِ، ثم عادت تنظر إلى الفراغ، إلى شيءٍ لا يُرى، لكنه كان ينهش صدرها ببطء.

وفجأة… تغيّر كل شيء.

خطواتٌ تقترب.

بطيئة، محسوبة التفتت بخوفٍ خافت، فإذا برجلٍ يخرج من بين ضباب المسافة، غامض الهيئة، لا يُعرف إن كان من هذا العالم أم من ظلّه. معطفه الداكن ينسدل كليلٍ طويل، وملامحه لا تكشف شيئًا سوى صمتٍ ثقيل.

توقف على مسافةٍ منها، ثم قال بصوتٍ منخفض، كأنه لا يريد إيقاظ الجرح أكثر، لكن ما باليد حيلة

فقال:

لا تزعجيهم، أتركيهم نيام الآن هم مرتاحون. لماذا أتيت ؟ ماذا توقعت أن تري؟ هل تظنبن أن عودتك ستعيدهم إلى الحياة؟

التفت ناحيته وأمعنت النظر في الضباب، وقلت

أتيت لأسأل عن أحوالهم بعد الموت، كم أفتقدهم، حتى جيراني المزعجون أفتقد إزعاجهم ، أشتاق إلى ضجيجهم وصياحهم، إلى خلافاتهم ومشاكلهم، إلى ثرثرات جارتي التي كنت أتأبى الحديث أمامها لأني كنت أعلم أن قصتي ستستيقظ في اليوم التالي على ألسنة نساء الحارة.

كان نهار الأحد ولأول مرة كنا نجتمع في المنزل أهلي جميعنا، ربما القلق والخوف في الحرب يقوى الإتصال العائلي والعقائدي، فلم أرى هذا الترابط المتين سوى تلك الإيام، عندما يهددك الموت.

كنا نتسامر حول المائدة، وقد أعلنوا ساعتها تحذيرا لنا بإخلاء ضيعتنا، لكنهم لم يمهلونا وقتا لجمع أغراضنا.

رن هاتفي وكان الضجيج يملأ الغرفة فلم أستطع أن أتكلم، خرجت من المنزل لأرد على الهاتف ولم أعد أذكر ما حدث.

استيقظت في المستشفى ولم يكن أحد معي سوى عمتي التي لم أرها إلا نادرا لأنها تسكن في الشمال، والمسافة شاقة.

سألتها عن أمي، لم تجب اغرورقت عيناها بالدموع، وبغصة قالت لي أن منزلنا نسف، ولم ينج منه أحد، لا أدري ماذا شعرت يومها أو إن كنت قد شعرت أو تبلد شعوري.

لا أذكر وقتها سوى همهمات وأضواء وممرضات يتراكضن.

وعندما خرجت من المستشفى ذهبت مع عمتي وسكنت عندها، لكن اليوم قررت أن أعود إلى ضيعتي لأزور قبور أهلي.

وها أنا الآن أقف على أشلاء الماضي أتساءل ما قيمة تمسكنا بقضايا ومعتقدات تدمرنا؟ هل الموتى في الجنة الآن؟ هل شعروا بهذه الراحة التي كانوا ينشدونها في حياتهم؟ هل أتى من كانوا يعبدونهم وألبسوهم أثواب العافية والسعادة الأبدية؟

أجابني رجل الضباب؛

لا أعلم إن كانوا وجدوا الراحة التي بحثوا عنها، فالموت سرٌّ لم يعد منه أحد ليقصَّ علينا حكايته.

لكن الحياة مليئة بالدروس، والموت إحداها، فمن يرحل يترك أثرا في قلوب من يأتون بعده. ليهتدوا به.

فالحياة في تجدد دائم. وعلينا أن نسايرها ونمشي معها.

سألته:

وإن عاكسناها ؟ ماذا سيحدث؟

الحياة كالنهر لا تغضب إذا وقفت في وجهها. هي فقط تستمر بالجريان.

قد تربح معركة ضد الزمن، وقد تؤخر صفحة من كتابه، لكنك لن توقف تقليب الصفحات.

فالكتاب سيذكرك ويخلد اسمك، بينما وحدهم من يأتون بعدك يصنفونك، يا إما تكون جسرًا تعبره أجيال المستقبل، أو صخرةً شكلت جدارا التفوا حولها.

سرحت في خيالي برهة، فطالما اغرقتني معاني الحياة وفلسفتها، قرأت الكثير من الروايات القديمة، عن المجازر وتصفية الشعوب، وبقيت معششة في ذاكرتي، عالقة في رأسي، أرى أشباحها القديمة تعود لتنتقم وكأنها تقول لقد قتلتني في الماضي وقتلت حضارتي وها أنا الآن أتقمص في حضارة جديدة لأقتلك وأقتل حضارتك،

لم أكن أعلم أني أفكر بصوت عال، لكني سمعته يقول:

الأشباح لا تعود لتنتقم يا ابنتي، بل الأحياء هم من يوقظونها.

الموتى يرحلون، أما الكراهية فتبقى إذا وجدَت من يحملها.

كل جيل يظن أنه يثأر لجرحٍ قديم، ثم يترك جرحًا جديدًا لمن يأتي بعده. وهكذا تدور الدائرة حتى يقرر أحدهم أن يكسرها.

صدرت مني أنّة، وقلت في صوت بشبه المناجاة أكثر منه أمنية:

ليتني أملك فانوسا سحريا لألغي كل الحروب وأعلن السلام الحقيقي الذي لا يفرق بين شعب وأخر، أو بين جنس وجنس.

والتفت لأرى الرجل كان قد رحل، أو ربما لم يكن موجودا إلا في أفكاري، أو أن الضباب أذابه، لا يهم حقيقة، ما يهم أني لم أشعر بأني وحدي، لقد خف الثقل الذي كنت أحمله قبل زيارتي.

ودعت أطياف أهلي وعدت إلى سيارتي، وقد قررت قبل أن أتجول في ضيعتي قبل رحيلي.

 

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي