
آخر مرة… حتى المرة القادمة
قصة قصيرة.
الكاتب: محمد رحيم
ضوءٌ خافتٌ يتراقص على جدران متشققة، تتسلل من خلالها رائحة رطوبةٍ عتيقة، تنبعث من أرضية خشبيةٍ متآكلة، تحت أقدامٍ ثقيلةٍ مرَّت من هنا مرّاتٍ لا تُحصى. الدخان يملأ الهواء كشبحٍ ثقيلٍ يرفض الرحيل، ورائحة العرق الممزوجة بالتبغ الرخيص تملأ الغرفة حتى تكاد تخنق الروح. رائحة البول الحادّة تتسرّب من الحمّام القريب، تختلط برائحة البيرة، فتشعر وكأنك تتجرّع مزيجًا من القذارة واليأس.
في الزاوية، تلفازٌ يبثّ فقرةً إعلانية لا يركّز معها أحد؛ صوته المتقطّع يغرق في ضجيج الشارع الخارجي: بائعٌ متجول يصرخ بصوتٍ مكسور، سيارةٌ تمرّ ببطء ومحركها يزمجر كوحشٍ جريح، وطفلٌ يبكي بنشيجٍ متقطع.
مرآة التسريحة المتصدعة، الملطخة ببقع الزمن، تقف كشاهدٍ صامت، تعكس ظلالًا مشوّهة لجسدين عاريين ملقيين على السرير، كأنّهما انعكاسان لحياةٍ ممزقة، شقوقها ترسم خطوطًا على وجهيهما كندوبٍ لا تُمحى.
تشعل سيجارة بأصابع مرتعشة، النار تضيء عينيها للحظة، وتنظر إليه بنصف ابتسامة ساخرة تخفي جرحًا عميقًا:
— ما تقوله كفر.
يمد يده، يسحب السيجارة منها ببطء، يأخذ منها نفسًا عميقًا، ينفث الدخان في وجهها:
— ما أقوله هو التاريخ الحقيقي.
— أنت كافر.
— وأنتِ عاهرة.
صمتٌ ثقيل، يتبادلان النظر. هي تلتفت إلى السقف، تنفخ الدخان، وتقول وكأنها تحدّث نفسها:
— العاهرة لها توبة، الكافر لن يُغفر له.
ينظر إليها ببطء، ثم يبتسم ابتسامة يمتزج فيها التهكّم بالملل:
— “يَغفرُ الذنوبَ جميعًا”، للكافر، العاهرة.. لكن هل يغفر للقاتل والخائنة؟
تدفع يده فجأةً بغضبٍ أعمى، تنهض كوحشٍ جريح، فتنفلت زجاجة البيرة من يده، تنسكب على بطنها العاري، تسيل قطراتها الباردة على ساقيها البيضاء كدموعٍ متجمدة، تصرخ، صوتها يرتجف بين التهديد والخوف:
— إن أثرت الموضوع مرةً آخرى، سأقتلك. أقسم بروح القتيل التي أراها في يقظتي، سأقتلك! أنت لا تكفّ عن الثرثرة مثل النساء، حتى تُسلِّمنا إلى حبل المشنقة.
يستشعر فيها الصدق، يقابلها بنظرة باردة، يمسح فمه وكأنه يزيل كلماتها.
تتجمد للحظة، تنظر فى عينيه، وتعيد متوعدة:
— سأقتلك.
تتسرب الرهبة إليه، يهبط صوته إلى همس مكتوم، وكأنه يتحدث إلى نفسه:
— ابتعدي، ولن يموت أحد. إصراركِ على هذه العلاقة هو ما يثير الشبهات. هوسك، أنتِ الآن زوجة، أم، ارحمي ما تبقى من حياتك، وارحميني.
— هذا ابنك، وكان من المفترض أن ينسب لك، وإن تكون أنت زوجي الآن، لا رجلٌ آخر.
— أنتِ مصرّة على عدم الفهم. لو تزوّجتُكِ، لكُنّا الآن معه تحت التراب.
تهز رأسها بعنف:
— لا تكذب. قُتل، دُفن، ولم يشك أحد. فلماذا لم يشكوا في زوجي الثاني؟ قُلها: لم تعدني تريدني. تخاف أن أخونك كما خنته. تنسى أننا صنعنا هذا معًا… لنظل معًا.
يحدق بها، عيناه تتقلصان كمن رأى خيالًا:
— أنتِ فعلًا خائنة، ولا أمان لك.
تقترب منه، وجهها يقطر تحديًا:
— وأنتَ سفاح قاتل.
صمتٌ يطبق على الغرفة. يرفع يده، يسحق السيجارة في المطفأة حتى تختنق جمرتها بين أصابعه، دون أن يشعر بالحرق.
تتذكر للحظة صوت أنفاس القتيل وهي تتلاشى، لكنها تطرد الصورة. تقول، كأنها ترى ما وراء الحائط:
— كنتَ أنت من بدأ. تتبعني بعينيك، تتربص بي في فى الصالة، تتلصص علي فى الحمام، تحتك بي فى المطبخ، تقترب حتى شعرتُ بنَفَسك على عنقي.
يبتسم ابتسامة ميتة:
— انتي من دعوتني
— قلت لك، إياك أن تجعلني اندم، وأقسمت لي؟!
— أتعرفين؟ لم أصدقكِ أبدًا حين قلتِ إن شبح المرحوم يحوم حولكِ. وكأنكِ من الممكن أن تخافي شيئًا. أنتِ معدومة الشعور، لا يمكن أن تندمي. قلبكِ مات يوم فتحتِ ساقيكِ لي، يوم أغويتِني وفرّقتِ الأشقاء، لو لم أرى الدعوة السافرة فى عينيكِ، لما جرؤت على الاقتراب.
— وكأنك بريء؟ ولا تذكر انك نمت فى فراشه.
— أذكر… وأنتِ تقيدين حركته، وأنا أكتم أنفاسه. كنتِ قاسيةً جدًا، يداك كالصخر، وكان لا يزال يرى فيكِ شيء قد يدفعكِ للتراجع. كان يرجوكِ أن تتوقفي. عيناه رأتا فيكِ أملًا حتى اللحظة الأخيرة. لم أعرفه ساذجًا أبدًا. كان أخي، ولم يكن غبيًا. لم ينظر في عيني أو يرجوني… وكأننا لم نكن شقيقين. لكنه نظر في عينيكِ أنتِ. لا أعرف كيف استطعتِ خداعه ليظن أن لكِ قلب! ربما شعر بحبّكِ يومًا وهو يعتليكِ. ربما أحسّ حضنكِ وهو يضمّكِ، لكنه لم يعرف أنكِ ثعبان. حيةٌ تسعى في فراشة. لعنة تتنفس.
تنظر إليه بعينين تتلألآن كجمرتين في الظلام، يدها ترتجف وهي تضغط على يديه:
— كان أخوكَ أنت، وكنتَ أنت من يقول إنه يقف بيننا. أنتَ من أردتَ دمه. أنتَ من جعلني أضع الخطة. والآن تلقي اللوم عليّ وكأن يديك نظيفتان؟ كنتَ أنتَ من أمسك وسادته. أنتَ من سمعه يلهث حتى صمت. أنا؟ أنا فقط أردتُك، وكنتُ مستعدة لأحرق العالم من أجلك. عشقتك… ولا زلتُ أعشقك. لكنك الآن تنظر إليّ كأنني قمامة تحت حذائك.
يصمت وكأنه لا يجد ما يقال، المرآة المتصدعة على التسريحة تبدو كجسدٍ مكسور يتأمل ذاته دون جدوى. كلّ شقٍّ فيها يعكس جزءًا مشوهًا من ملامحهما، لقطاتٍ ممزقة من ماضٍ عالقٍ لم يمت، وحاضرٍ يتعفّن.
يتوقف الزمن للحظة، بين أنفاسهما اللاهثة ونظراتهما المتبادلة. كأن الشبح الذي ذكراه قد خرج من بين الشرخ في المرآة، وجلس بينهما، صامتًا، يراقب.
هو يهبّ واقفًا الآن، جسده متوتر، عارٍ، والبيرة تنزلق على الأرض، مخلوطةً بشيءٍ آخر لا يُعرف إن كان عرقًا أم دمًا قديمًا. تنظر إليه وهي تتراجع للخلف، لكنّ قدميها لا تحملانها. عيناها تتسعان، ليس خوفًا… بل اشتهاء.
تصمت. الهواء بينهما مشحونٌ كعاصفة معلقة. تعود عيناها إلى المرآة المتصدعة، ترى وجهها المشوّه بالشقوق، وكأنها ترى روحيهما الممزقتين. كلّ أسبوعٍ يعودان إلى هنا، إلى هذا القفص الضيق، وكل مرة يقسم كل منهما أنها الأخيرة… لكنها لا تكون أبدًا.
فجأة، تقف، تقترب منه بغضب، تدفعه بكلتا يديها، فيرد هو بقبضةٍ عنيفة على ذراعيها. يتصارعان كوحشين، أنفاسهما تختلط، حتى يسقطا على السرير. ينزل برأسه بين فخذيها، يلعقها بعنف وهي تصرخ:
— قاتل… كلب…خنزير…
لكنه لا يتوقف. لسانه يفترسها كأنه يعاقبها. ثم تنقلب فوقه، تمسك عضوه بقسوة، تمصه بشراسة وهو يغمغم:
— خائنة… فاجرة… قذرة…
تتداخل أجسادهما، يتحول الصراع إلى اقتحامٍ كامل. يدخلها بعنف، وهي تتلوى تحته، أصواتهما تملأ الغرفة كعواءِ ذئابٍ في ليلةٍ مقمرة، حتى ينهارا معًا، منهكين، في صمتٍ موحش.
تهمس بين أنينها:
— لا تتركني بعد الآن…
لكنه لا يجيب. يدفن وجهه في عنقها، يعضها… ثم يتمدد إلى جوارها، متعبًا.
بعد قليل، تقول، كأنها تحدث ظلّه على الجدار:
” هذه هي المرة الأخيرة”
فيهمس، بعينين مغلقتين، كمن مات مؤقتًا:
“ولا مرة كانت الأخيرة…”
…يعضها بقسوة لا تفرق بين عشقٍ وانتقام، كأن فمه يبحث عن شيء ضاع منه فيها، كأن جوعه لها أكبر من كل تلك الدماء التي أراقاها سويًا.
المرآة المرتجفة على وقع أنفاسهما الثقيلة تكتفي بالتحديق، صامتة، شاهدة.
في الخارج، بدأ المطر يهطل خفيفًا، قطرةً قطرة، كما لو أن السماء تبكي عنهم. أو تبكيهم.
تمد يدها المرتعشة نحو شعره، تعبث به كمن يلامس جثة حبيبٍ مات وهو يهمس باسمها.
“لو عاد بي الزمن، لفعلتها من جديد. وقتلته من جديد. لكن كنتُ سأتأكد هذه المرة أنه مات داخلك أيضًا.”
يرفع رأسه، ينظر إليها، إلى بقايا وجهٍ أحبه، وخان نفسه لأجله.
“لا تتأكدي، لن يموت ابدًا.”
يخرج من السرير، عارٍ، يلتقط ملابسه ببطء، قطعة قطعة، وكأنها أدوات جريمة يُخفيها.
“إلى أين؟” تسأله وهي تضم ساقيها وتراقبه.
“إلى الجحيم. المكان الوحيد الذي يشبهكِ.”
يرتدي حذاءه، يفتح الباب، يخرج دون أن يلتفت.
تسمع صوت خطاه يبتعد، ثم يغيب في ضجيج المدينة.
تستلقي على ظهرها، تحدق في السقف، ثم إلى المرآة، تهمس:
“إنه سيعود. كل أسبوع يعود.”
تغمض عينيها، تبتسم ابتسامة صغيرة لا تخلو من دمعة. ترتدي ملابسها وتغادر خلفه. وفى زاوية الغرفة تتلاشى مؤقتًا ذكرى جثة.











