
“على أعتاب التسامح الأخير”
بقلم:هند زيدان
جلست على طرف الأريكة، تراقب يديه المتشابكتين بصمت…
بدا وكأن كل شيء فيه نادم، حتى أنفاسه.
قال وهو يتجنب النظر في عينيها:
أتعلمين ما يُوجع؟ أن أكتشف متأخرًا أني كنت أملك كنزًا… وتركته ظنًا مني أن الكبرياء أغلى.
لم تُجبه، لكنها أمالت رأسها قليلًا كمن يحاول أن يُخفي وجعًا قديمًا عاد ينبض.
تابع بصوت أقرب للهمس:
لم أكن أدري أن الغياب سيعلّمني كيف يبدو البيت فارغًا من دونكِ،
وكيف أن كل الأماكن لا تُشبهكِ… حتى نفسي لم أعد أطيقها.
همست أخيرًا، بعينين تقاومان الانكسار:
أنا لم أكن بحاجة لشيء… فقط أن تبقى، أن لا تتركني مع أول عاصفة.
تنهد طويلًا، واقترب خطوة وقال:
وأنا… أنا الذي خذلت قلبًا أحبني بصدق، وبعت دفئكِ في لحظة بردٍ لا تُغتفر.
كنتِ الحضن… والسكينة… والنور.
واليوم، لا أطلب سوى عفو مَن ظلَّ يدعو لي رغم الألم.
نظرت إليه، وأجابت بصوت متردد، لكن مغمور بشيء من الحنين:
هل تظن أن القلب الذي أحبّ بصدق… لا يزال قادرًا على الحب بعد كل هذا؟
قال بتنهيدة ثقيلة، أتمنى أن أستحقكِ من جديد. أن تعودي إليَّ لا لأنكِ ضعيفة…
بل لأنكِ عظيمة بما يكفي لتسامحي.
أغمضت عينيها، وابتسمت بخفة ممزوجة بحرارة الدموع:
إن كنتَ عائدًا بقلبٍ جديد… فأنا هنا… بقلبٍ تألم، لكنه ما عرف سواك وطنًا.
ظلّ صامتًا لحظاتٍ لا يتكلم… كأن الكلام ثقيل، والندم أكبر من أن يُقال.
ثم تنهد بعمق، وقال بصوتٍ أشبه بانكسار الريح في ليلٍ طويل:
ما عندي ردّ يُنقذني… ولا عندي عذر يشفع لي بين يديكِ.
أنا الذي كنتُ أهرب من المواجهة، وأُغلِق باب الحديث كلما شعرتُ أنكِ تقتربين من وجعي،
وما أدركتُ أن صمتكِ بعد ذلك كان صراخًا لم أُجِد فهمه.
اقترب منها، وخفض رأسه وكأنّه يعتذر بعينيه:
كيف هُنتِ عليّ؟ ما هُنتِ… لكنّني أنا الذي هِنتُ على نفسي أولًا،
حين تركت أجمل ما فيّ… يغيب.
ظننتُ أن الرجولة في أن أكون صلبًا، لا أعتذر… وفي الحقيقة…
كنت هشًّا جدًا بدونكِ. والآن، أقف بين يديكِ كغريقٍ فقد الشاطئ، وأنتِ… وحدكِ البحر والنجاة.
رفَعَ رأسه ونظر إليها مطوّلًا:
أنا لا أطلب عفوكِ لأنني أستحقه، بل أطلبه لأنّ قلبي لا يعرف كيف يعيش خارج ظلّك.
أنا الذي قتلت الطمأنينة فيكِ… لكن صدقيني، منذ ابتعدتِ،
وكل ليلةٍ تمرّ كأنها عقابٌ طويل، أنام على ذكراكِ… وأصحو على صورتك.
مدّ يده نحو يدها بتردد، وقال:
إن بقي في قلبكِ بقيةُ حب… إن بقي فيه حنين، أو حتى وجع باسمي،
فدعيني أبدأ من هنا… لا أريد أن أعود كما كنت، بل كما تتمنّين.
أريد أن أكون رجلًا يليق بكِ… رجلًا يُرمم، لا يُكسِر.
ثم سكت لحظة، وأكمل بصوت خافت:
أحبكِ… والحب هذه المرة ليس وعدًا، بل عهد..
ظلّ صوته معلقًا بين الندم والرجاء… وهي تنظر إليه،
لم تقُل شيئًا… لكنها لم تُبعد يدها حين لامست أنامله أطراف أصابعها المرتجفة…
ولم تقاوم حين اقترب أكثر، وكأن العالم كله اختفى، وكأن الذي بينها وبينه، ما عاد يحتاج إلى لغات.
ضمّها إلى صدره ضمّة… ضمّة تختزل كل رسائل الاعتذار،
كل ليالِ البُعد، كل كلمات الحب التي لم تُقل يومًا، وكل دمعةٍ صامتةٍ ذرفتها في الغياب.
لكنها لم تكن ضمّة عادية… بل ضمّة تختصر حكاية امرأة صبرت،
وانتظرت، وبكت، وظلّت تُصلّي في قلبها أن يعود، لكنّه لم يَعُد… حتى كاد الحنين يموت.
ضمّها كما يُضمّ الحنينُ حين يُفلت، كما يُضمّ الخائف حين ينجو،
كما يُضمّ الوطن بعد اغترابٍ طويل.
ضمها حتى شعرت أن ضلوعه تتوسّل الغفران،
وأن صدره يقول لها: “أنامأمنكِ، أنا بيتكِ… سامحيني إن هدمته بيدي.
احتواها بين ذراعيه كمن عاد إلى وطنه بعد تيهٍ طويل…
كأنما يرمم بهذا الحضن ما صدّعته الخيبات.
وهي… لم تقاوم، لم تتكلم… لكنها أغلقت عينيها،
وكأنها تسلّمت أخيرًا أمان قلبٍ أضاعه التيه وعاد.
وبكى لأول مرة… بكى.
بكى كما يبكي الندم حين يتأخّر، والحبّ حين يكتشف أنه رغم كل شيء… ما زال حيًّا.
وفي تلك اللحظة… سقطت كل الحوارات، كل الاتهامات، كل الأسئلة… كل الشروط.
في تلك اللحظة… ما عادت هناك حاجة لعتاب، ولا لكلام، فالحب… قال كل شيء.
هند زيدان













