دينيمقالات متنوعة
أخر الأخبار

تأملات في آية

تأملات في آية 

بقلم: مصطفى نصر 

 

نقف وقفة قصيرة مع الآية الكريمة “يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا” (سورة مريم: 85) (نحشر لا تبشر بخير) فكلمة (نحشر) في القرآن غالبًا ما تحمل دلالة سلبية أو توحي بالشدة والعذاب، لأنها تُستخدم في سياقات الحشر العام للخلق يوم القيامة، وخاصة مع الكفار والمجرمين، مثل:”وَحُشِرُوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ” (يونس: 4)

– “وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا”(الإسراء: 97)، وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ” (النمل: 87)، ففي هذه السياقات، الحشر يرتبط بالخوف، والذل، والعقاب، والسوق إلى المحشر.

لكن في آية: “نحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا”، انقلبت الدلالة تمامًا إلى (دلالة إيجابية) مشرقة، مُكرمة، راكبة على مراكب فاخرة، مُرحَّب بها، وهي صورة مضادة تمامًا لصورة السوق والإذلال التي تُستخدم مع المجرمين في الآية التالية مباشرة: “وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا”(مريم: 86). ووردا تدل على انهم عطشى

  يسيرون على أقدامهم دفعاً بغير كرامة، فهناك “نسوق” تدل على الإجبار والذل)، وهنا “نحشر وفدًا” (تدل على الإكرام والرفعة)، وهذا من أبرز مظاهر الإعجاز البلاغي في القرآن، حيث يأتي بصور كلية كأنها مشاهد سينمائية بزوم مفتوح على أدق التفاصيل.

* ما أسباب انقلاب الدلالة إلى الإيجابية هنا؟

 بالسياق المباشر: الآية تتحدث عن (المتقين) فقط، وهم أهل الطاعة والتقوى، فالحشر هنا ليس عقابًا بل تكريمًا واستقبالًا كرنفالياً مبهجاً، والإضافة إلى “الرحمن” تزيد من هزة المفاجأة لأنه جاء مرتبطاً باسم الله الرحمن) دون غيره من اسماء الله الحسنى، وهو اسم يحمل جرعة كبيرة من رحمة واسعة وكرمًا إلهيًا، وشفقة ورأفة وحنان، فالحشر هنا لقاء بالرحمن المنان، لا لقاء بالجبار المنتقم، وهذا يحوّل المعنى من الرهبة إلى الرجاء والأنس.

* كما أن الحشر هنا ليس إلى الجنة والنار كما اعتدنا، إنه حشر للمستضيف جل وعلا، فلماذا “للرحمن” وليس “للجنة”؟

– التعبير “إلى الرحمن” يحمل حكمة بلاغية عميقة، فهو يركز على المقصد الأسمى: اللقاء بالله تعالى نفسه، الذي هو مصدر الرحمة والكرامة. لو قيل “إلى الجنة”، لكان التركيز على المكان (الجنة كثواب مادي)، لكن “إلى الرحمن” يعني أنهم يُحشرون أولاً إلى موقف القيامة ليُكرموا من قبل الرحمن مباشرة، كوفد يُستقبل عند الملك قبل دخول قصره.

هذا يدل على عظم الوعد والوفد، ويبرز أن المتقين يقصدون الرحمن بالرجاء وحسن الظن، ثم يدخلون الجنة كنتيجة لهذا اللقاء الكريم، كما قال السعدي: “مآلهم الرحمن، وقصدهم المنان، وفوداً إليه”، مما يجعل التعبير أكثر إعجازاً وعمقاً عاطفياً. 

– ⁠لماذا “وفدا” رغم أن الحساب فردي؟

– “وفدا” (جمع وافد) تعني الجماعات الراكبة المكرمة، كالوفود التي تأتي على الدواب أو المراكب.

في التفاسير، يُفسر بأنهم يركبون نجائب من نور أو زمرد وياقوت، يُستقبلون بأحسن الصور، مما يعكس الكرامة الجماعية. رغم أن الحساب في القرآن فردي (كما في “كل نفس بما كسبت رهينة”)، إلا أن “وفدا” يركز على جانب الحشر الجماعي كصورة بلاغية للإكرام الإلهي، لا على تفاصيل الحساب.

فالحساب فردي في جوهره، لكن الحشر هنا يُصور كلقاء جماعي مُعزز، يبرز التبجيل الجماعي للمتقين كفريق واحد، مقابل إذلال المجرمين.

هذا التعبير يجعل الآية أكثر إيحاءً بالعظمة، كما روي عن علي بن أبي طالب: “بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة”.

هذه الآية تذكير بليغ بتفاوت الفريقين، وجمال تعبيرها يدعو إلى التأمل في التقوى والحث على التمسك بها، لنكون من ذلك الوفد الكريم.

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي