
عندما يصرخ الجسد بالخطر… ولا يكون هناك خطر!
بقلم/ الحسناء رفاعي توفيق
هل سبق أن شعرت فجأة بأن قلبك يكاد يقفز من صدرك، وأن أنفاسك تضيق، وأنك على وشك الموت، رغم أن الفحوصات الطبية تؤكد أنك بخير؟
إنها واحدة من أكثر التجارب النفسية قسوة، وهي نوبة الهلع. فالمصاب بها لا يشعر بالخوف فحسب، بل يعيش في تلك اللحظات إحساسًا حقيقيًا بأن حياته توشك على الانتهاء.
لذلك لا يتجه تفكيره إلى أنها مجرد نوبة قلق، بل يعتقد أنه أصيب بأزمة قلبية، أو سكتة دماغية، أو أنه سيفقد السيطرة على نفسه أو يصاب بالجنون.
وتبدأ النوبة في كثير من الأحيان بإشارة جسدية بسيطة؛ فقد يزداد نبض القلب بعد مجهود، أو يشعر الإنسان بدوخة نتيجة الإرهاق أو قلة النوم، أو يزداد معدل تنفسه بسبب التوتر.
هذه التغيرات طبيعية في الأصل، لكن العقل يفسرها على أنها تهديد خطير، فيزداد الخوف، ومع ازدياد الخوف تشتد الأعراض الجسدية، فيقتنع الشخص أكثر بأن هناك كارثة حقيقية، وهكذا يدخل في دائرة مغلقة يغذي فيها الخوف نفسه.
ولا تقف المعاناة عند انتهاء النوبة، بل يبدأ الخوف من تكرارها، فيتجنب الشخص الأماكن المزدحمة، أو وسائل المواصلات، أو السفر، وقد يجلس دائمًا بالقرب من باب الخروج، ويحمل معه زجاجة ماء أو دواء، أو يراقب نبضه باستمرار، أو يطلب الطمأنة من الآخرين كلما شعر بأي عرض بسيط.
ورغم أن هذه السلوكيات تمنحه راحة مؤقتة، فإنها ترسل إلى عقله رسالة خاطئة مفادها أن نجاته كانت بسبب الهروب، وليس لأن الخطر لم يكن موجودًا من الأساس، فتستمر نوبات الهلع في التكرار.
ولذلك فإن العلاج لا يقتصر على تهدئة النوبة، بل يهدف إلى تغيير الطريقة التي يفسر بها الإنسان ما يحدث داخل جسده.
ويعد العلاج المعرفي السلوكي من أكث.ر الأساليب فعالية، لأنه يساعد على تصحيح الأفكار الكارثية، والتوقف عن مراقبة الأعراض بصورة مبالغ فيها، والتقليل من سلوكيات التجنب، والتدرب على مواجهة المواقف التي أصبح الشخص يخشاها تدريجيًا.
كما أن تنظيم النوم، وتقليل الكافيين، وممارسة تمارين الاسترخاء والتنفس، والالتزام بالعلاج الدوائي عند الحاجة وتحت إشراف الطبيب، كلها عوامل تساهم في التعافي.
ومن المهم أن يدرك المصاب أن نوبة الهلع، رغم شدتها، لا تعني أن قلبه سيتوقف، ولا أنه يفقد عقله، ولا أنها نهاية حياته. إنها استجابة مبالغ فيها من الجهاز العصبي، يمكن فهمها والسيطرة عليها وعلاجها.
وربما يكون أكثر ما يحتاج إليه الإنسان في هذه الرحلة هو أن يستبدل السؤال: “لماذا يحدث هذا لي؟” بسؤال آخر أكثر فائدة: “كيف أفهم ما يحدث داخل جسدي حتى أتوقف عن الخوف منه؟” فعندما يحل الفهم محل الرعب، تبدأ دائرة الهلع في الانكسار، ويستعيد الإنسان شعوره بالأمان خطوة بعد أخرى.













