علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

هل علّمتَ طفلك أن العجز هو الحل؟

هل علّمتَ طفلك أن العجز هو الحل؟

بقلم د. عبير عاطف

 

العجز المتعلم وأثره فى تربية أبنائنا

في كل مرة نسارع فيها إلى إنجاز مهمة يستطيع طفلنا القيام بها، أو نمنعه من المحاولة خوفًا من أن يخطئ، أو نحل مشكلاته نيابة عنه، قد نرسل إليه، دون أن نقصد، رسالة خطيرة: «أنت لا تستطيع».

قد لا يصدق الطفل هذه الرسالة من المرة الأولى، لكن ماذا يحدث عندما يسمعها مرارًا؟ عندما يحاول فنمنعه، ويخطئ فنوبخه، ويفشل فنؤكد له أنه لا يستطيع، ويواجه مشكلة فنحلها بدلًا منه؟

ربما يأتي يوم لا يعود فيه الطفل حتى إلى المحاولة، ليس لأنه لا يملك القدرة، بل لأنه تعلم أن المحاولة لا فائدة منها.

هنا نصل إلى مفهوم نفسي مهم يُعرف باسم «العجز المتعلم» Learned Helplessness، وهو مفهوم ارتبط بأبحاث عالم النفس الأمريكي مارتن سليجمان في سبعينيات القرن العشرين.

ويشير إلى الحالة التي يتعلم فيها الإنسان، نتيجة تعرضه المتكرر لمواقف يشعر خلالها بأن أفعاله لا تؤثر في النتائج، أن الاستسلام وعدم المحاولة هو الخيار الأفضل.

فالإنسان الذي يمر مرارًا بتجارب يشعر فيها بأنه لا يملك السيطرة على ما يحدث، قد يتعلم مع الوقت أن محاولاته لن تغير شيئًا. والأخطر أن هذا الاعتقاد قد يستمر حتى عندما تتغير الظروف وتصبح لديه فرصة حقيقية للنجاح أو التغيير.

وهكذا قد لا يكون الإنسان عاجزًا بالفعل، لكنه يتعلم أن يتصرف كما لو كان عاجزًا، وقد يتكون هذا النمط داخل الأسرة دون قصد من الوالدين.

فعندما يقوم الكبار بكل شيء بدلًا من الطفل، أو يحلون مشكلاته قبل أن يمنحوه فرصة للتفكير، أو يمنعونه من التجربة خوفًا من الفشل، أو يسخرون من محاولاته، أو يكررون أمامه عبارات مثل: «أنت لا تستطيع»، و«اترك الأمر للكبار»، و«ألم أقل لك إنك لن تنجح؟»، فقد تتحول هذه الرسائل مع الوقت إلى اعتقاد داخلي: «أنا لا أستطيع».

ومع تكرار التجارب، قد يتوقف الطفل عن المحاولة قبل أن يبدأ، وقد يظهر العجز المتعلم في صورة طفل يستسلم سريعًا عند مواجهة أي صعوبة، أو يخاف من التجارب الجديدة، أو يرفض المشاركة لأنه يتوقع الفشل، أو يعتمد على الآخرين في أمور يستطيع القيام بها بنفسه.

وقد يصبح مترددًا في اتخاذ القرارات، خائفًا من تحمل المسؤولية، شديد الحساسية تجاه الفشل، أو مقتنعًا بأن الآخرين أكثر قدرة منه.

وقد لا يقول الطفل صراحة: «أنا عاجز»، لكنه قد يكرر عبارات مثل: «لن أستطيع»، «لا فائدة»، «افعلها أنت»، أو «أنا لا أعرف»، حتى في الأمور التي يستطيع القيام بها بالفعل.

 

ومع الوقت، قد يتحول هذا الاعتقاد من مجرد سلوك إلى جزء من صورة الطفل عن نفسه، فيؤثر في دراسته وعلاقاته وقراراته واستعداده لخوض التجارب الجديدة.

يمكن أن يتكون العجز المتعلم في مراحل مختلفة من الطفولة، لكن خطورته تزداد عندما يبدأ في السنوات المبكرة ويستمر لفترة طويلة؛ لأن الطفل في هذه المرحلة يبدأ في بناء تصوره عن ذاته وقدراته.

وعندما يجد دائمًا من يقوم بالمهام بدلًا منه، قد يتعلم الاعتماد بدلًا من الاستقلال، وعندما يتعرض للسخرية أو النقد المستمر عند المحاولة، قد يتعلم الخوف من الفشل.

وفي مرحلة الطفولة المتوسطة قد يظهر العجز المتعلم في الدراسة والمهارات والعلاقات الاجتماعية، خاصة مع تكرار المقارنات والنقد، بينما قد يظهر في مرحلة المراهقة في صورة تردد في اتخاذ القرارات، واعتماد زائد على الآخرين، وتجنب تحمل المسؤولية، والاستسلام أمام المشكلات.

ولا تكمن الخطورة في أن يفشل الطفل؛ فالطفل يمكن أن يفشل ويتعلم. إنما تكمن في أن تتكرر لديه رسالة واحدة: «مهما فعلت، لن يتغير شيء».

وهنا يأتي دور الأسرة

لا يكفي أن نقول للطفل: «أنت تستطيع»، بل علينا أن نمنحه فرصًا حقيقية ليكتشف قدرته بنفسه. نمنحه مهامًا تناسب عمره، ونترك له مساحة للاختيار، ونسمح له بالمحاولة والخطأ، ولا نسارع إلى إنقاذه من كل صعوبة.

نساعده على التفكير بدلًا من تقديم كل الإجابات، ونقسم المهام الصعبة إلى خطوات صغيرة؛ فكل نجاح بسيط يمنحه تجربة جديدة تعزز إحساسه بقدرته.

والفرق كبير بين أن نقول للطفل: «حاول، وأنا هنا إذا احتجت إليّ»، وبين أن نقوم بكل شيء نيابة عنه. فالمساعدة الصحية تمنح الطفل الدعم والأدوات، بينما التدخل الدائم قد يحرمه من فرصة اكتشاف قدرته.

التربية لا تعني أن نمنع أبناءنا من كل صعوبة، فالحياة لن تكون خالية من العقبات. لكنها تعني أن نساعدهم على اكتساب القدرة التي تجعلهم قادرين على مواجهتها.

لا تربوا أبناءكم على أن الحياة سهلة، فهذا غير حقيقي، ولا تنقذوهم من كل صعوبة، فأنتم بذلك قد تحرمونهم من فرصة اكتشاف قوتهم.

علموهم أن الفشل لا يعني أنهم فاشلون، بل هو جزء من طريق التعلم والنجاح، وأن طلب المساعدة ليس عجزًا، وأن عدم النجاح اليوم لا يعني استحالة النجاح غدًا.

فقد لا يحتاج الطفل دائمًا إلى من يفعل الأشياء بدلًا منه، وإنما يحتاج إلى شخص يؤمن بقدرته، ويمنحه الفرصة ليكتشفها بنفسه.

لا تجعلوا العجز هو الحل الذي يتعلمه أبناؤكم عندما يواجهون الحياة.

علّموهم أن المحاولة قد تفشل، لكن التوقف عن المحاولة هو الشيء الوحيد الذي يجعل الفشل دائمًا.

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي