أدبي

الكاتبة لا تناسبني أصلًا

الكاتبة لا تناسبني أصلًا

بقلم شيرين شيحه

“الكاتبة لا تناسبني أصلًا”

كانت هذه الجملة ردا على سؤال طرحته على

أحد الكتاب الكبار أثناء حواري معه عن القيود

التي تُفرض على الكاتبة من قِبَل الرجل القائم

على ولايتها، وفي معرض الحديث طرحت

عليه سؤالا: هل كنت ستتخذ نفس الموقف من المرأة لو أن زوجتك كاتبة؟

فكانت منه تلك الإجابة التي سببت لي قدرًا من المفاجأة ساعتها لعلمي بمدى تفتحه

ومدافعته عن حرية المرأة في التعبير

وأذكر أنني أتبعت سؤالي بآخر: وما عيبها أستاذنا الفاضل؟

فأجاب: والله لا أعيب، ولكنها حقًا لا تناسبني،

وتذكرت ساعتها موقفي أنا أيضًا – القديم- من مسألة الزواج بكاتب.

فقبل زواجي لم أكن أحبذ فكرة الارتباط بشاعر من الأساس، ليس لعيب في الشعراء،

ولكن لتأكدي أن فكرة وجود المُلهمة في حياة الشاعر أمر لا مفر منه، لذلك حاولت أن أنأى

بنفسي كامرأة عن الدخول في هذه الدائرة المجهِدة للأعصاب.

أقول: إن وجود الملهِمة في حياة الشاعر بوجه خاص، والفنان بوجه عام أمر ضروري

لتحقيق الإبداع، يشهد بذلك تاريخ الفن والأدب والنقاد والشعراء على السواء.

والشاعر إن لم يجد مُلهِمة في واقعه الحقيقي فإنه يخترعها في عالمه المتخيّل كما يقول نزار قباني:

الحب في الأرض…. بعض من تخيلنا

لو لم نجده عليها….لاخترعناه

وحقيقة، لا أرى من الصعوبة بمكان أن يجد الشاعر مُلهمة له أو حتى عدة ملهمات في

وقتٍ واحد، فبين الحين والآخر سوف يجد من تعترض حياته وتضع نفسها في طريقه لتعرض عليه بضاعتها من جمال، وأنوثة -خاصة لو

كان شاعراً مجيدا صاحب بصمة وذائع الصيت- ليخلدها بقصيدة من أشعاره

ومَن من النساء لا تريد أن تسمع الجميل من القول، وأن يتغزل فيها رجل أحببته أو اُعجبت به؟!

وليس بخافٍ على أحد أن الطريق الأقصر والأسرع والأكثر فاعلية في الوصول إلى قلب

المرأة هو أذناها.. كتبت هذا المعنى مرة في بيت شعر لي يقول: “وكذا الجميل من الكلام رواؤنا

           مفتاح قلب المرأة الإصغاء”

هذا واقع حال قلوب جميع النساء بما فيهن الشواعر “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي”

فكيف الحال إذا صدر هذا الغزل ممن بضاعته الغزل والكلام؟!

 الشاعر في هذه الحالة يكون قد أعطى هذه الأنثى ما أرادت، ووجد هو ما يبحث عنه من

باعث على الإلهام، والصفقة بالتأكيد رابحة لكل الأطراف وخاصة المتلقي الذي سيستمتع بنتاج هذه الحالة من الشعر الجميل

وقد تدخل حياة الشاعر أكثر من مُلهـِمة فيأخذ من كل واحدة قبسًا

ولتفهُّمي الشديد لحالة الضرورة الشعرية هذه باعتباري عاشقة للأدب قبل أن أكون شاعرة، فقد قررت أن أًجنِّب نفسي كامرأة تبعات

الارتباط بكاتب أو فنان من الأصل، فلن أستطيع مهما أوتيت من عقل أو قوة شخصية أو ثقة بالنفس أن أهمل مشاعر الغيرة التي

سوف تأكلني مع قراءة كل قصيدة جديدة وأنا على علم بأنها في إحدى الملهمات

وعملية الإلهام هذه ليست بالعملية السهلة، إنها ارتباط روحي يتكون بين الشاعر وملهمته،

وعلى قدر وقوة ومتانة هذا الخيط الروحي الرابط بينهما يأتي جمال النتاج الفني وقيمته وإمتاعه للملتقي.

الملهمة في حياة الفنان أو الأديب شيء أشبه بالسر وهي في منطقة وسطى بين الواقع والخيال؛ فقد تكون امرأة حقيقية، ولكنه

يضفي عليها ما يريده خياله من صفات قد ترفعها إلى الملائكية أحيانًا

وتأتي القصائد في هذه الحالة بمثابة ترجمة لمدى عمق بعض العلاقات بين كتابها ومن يحبون من النساء.

علاقة الإلهام والارتباط الروحي هذه من الأمور الداعمة جدا لاستمرار علاقة الحب لدى الشاعر الذي قرر أن تكون ملهمته الوحيدة هي حبيبته،

  فقد يجد ضالته في ملهـِمة واحدة تكفيه عن جميع النساء.

وجد امرؤ القيس ضالته في فاطمة، ووجد عنترة العبسي ضالته في عبلة، وقيس في ليلى العامرية، وابن معمر في بثينة حتى أن البعض

نعته بـ(جميل بثينة)، والأسماء كثيرة في حياة الشعراء، ولادة وابن زيدون، وجنان وأبو نوّاس، وورد بنت الناعمة وديك الجن، وهناك

أم البنين زوجة الخليفة ووضاح اليمن، والنوّار ملهمة الفرزدق.

كذلك استطاعت بلقيس الراوي زوجة نزار قباني أن تكون الملهمة الوحيدة في حياته وأن تتعامل بحكمة مع معجبات نزار اللاتي

تعتقد كل واحدة منهن أنه كتب شعره فيها، فقد كانت متأكدة بحسها الأنثوي أنها ملهمته رغم كل النساء اللاتي حاولن الدخول إلى عالمه الشعري.

 في عيد زواجهما العاشر كتب لها “أشهد ألا امرأة أتقنت اللعبة إلا أنتِ، واحتملت حماقتي عشرة أعوامٍ كما احتملتِ، وقلمت أظافري، ورتبت دفاتري، وأدخلتني روضة الأطفال .. إلا أنتِ”

هل كان ما فصّلتُ في هذا المقال سببًا كافيًا

لإعراض الكتاب عن الارتباط بكاتبات لخوفهم

من تفهمهن لضرورة وجود الملهمات في

حيواتهم وهن العالمات بأسرار الأدب وخفاياه؟

هل هي الازدواجية التي يعاني منها بعض الكتاب والفنانين بين ما يدعون إليه وما

يؤمنون به، فنجد الفنان يصر على الزواج من خارج وسطه والكاتب لا يرغب في الارتباط بكاتبة؟

أطرح هذين السؤالين عليكم للمناقشة

أما سؤال: هل للمرأة الشاعرة ملهِم؟

فهو ما سوف أجيب عليه في الجزء الثاني من المقال إن شاء رب العباد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي