أدبي

الطلاق الصامت

الطلاق الصامت

بقلم: عتاب المصري

 

يروي حمزة قصته قائلًا:

أبي وأمي شبه منفصلَيْن رغم أنهما يعيشان في بيت واحد،

فدائمًا هناك شجار واختلاف بينهما، يدخل أبي إلى البيت بعد عمله مجهدًا، فيجد أمي مشغولة بإخوتي، أو بإعداد الطعام، أو بنظافة البيت، أي أنهُ لا يجد الوضع مهيأ لراحته كما يريد، فينزعج جدًا ويرفع الصوت بالمساءلة والعتاب، فتغضب أمي ثم يبدأ الشجار بالصخب وينتهي بالصمت التام.

أنا في الثانوية، ولي إخوة في المتوسط والابتدائي، وجميعنا نشاهد ذلك الشجار المتكرر، فينقلب ألـمًـا في نفوسنا وبكاءً في عيوننا.

تطور الأمر حتى أصبح هناك شَقٌّ عميق داخل البيت، وكمٌّ رهيب من الجفاء، وتطورت الأمور للأسوأ فأصبح أبي يتناول حبوب الاكتئاب

ولا يطيق الجلوس في البيت، فيقضي معظم وقته في العمل أو مع أصحابه، وأمي تهتم بكل شيء ما عدا أبي، أصبح أبي لا يمثل لأمي إلا الصراف، وهكذا كل مدى تزداد الفجوة بينهما.

 

أصبحت معظم البيوت تعاني من الطلاق الصامت، فالكثير من الأزواج يعيشون غرباء تحت سقف بيت واحد

لا يجمعهما شيء مشترك، ولا عاطفة تساعدهما على مواجهة صعاب الحياة، ولا يجد كل منهما أي وسيلة إشباع في الطرف الآخر على كافة المستويات، فهى علاقة أشبه بالأطعمة المُعلَّبة الممزوجة بالكثير من الملح والمواد الحافظة حتى لا تفسد من أجل أسباب عديدة كالخوف على الأبناء، أو الطلاق، أو تكرار تجربة الزواج الفاشل، أو الخوف من لقب مطلقة،

أو من الخسارة المالية، لتستمر العلاقة سنوات وسنوات.

وفى إطار هذه العلاقة التي يطلق عليها الطلاق الصامت

أو الطلاق النفسي يحاول الطرفان الحصول على وسيلة للإشباع، فنجد الزوجة تضع كل همها في تربية الأطفال، والزوج يُقبل أكثر على العمل والخروج مع الأصحاب، ويصر كل منهما على إظهار عكس حقيقة علاقتهما للآخرين.

في حقيقة الأمر إنها مسرحية هزلية قرر الزوجان أن يعيشا أحداثها، فلا رابط مشترك بينهما يقربهما من هدف واحد، أو لقاء حميم، أو حتى حلم يجمعهما، سوى تربية الأطفال والحفاظ على الكيان الاجتماعي، وهكذا تصبح العلاقة الإنسانية مجردة من الإنسانية، علاقة لا جدوى منها ولا سبيل لإصلاحها أبدًا

إن استمرت على هذا الحال، ومن العبث أن تخلق أي أحلام بين غرباء جمعهما القدر في حياة مشتركة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي