أدبي

إليكِ ابنتي

إليكِ ابنتي

إليكِ ابنتي

ريمونارف

بقلم: نشوة أحمد علي

ربيتُكِ بنيتي على الاعتماد على نفسك منذ نعومة أظفارك، وقد تعددت دوافعي لأن أنتهج نهجا كهذا معك، على حداثة سنك..

أولهم: رغبتي في محاكاة تربية والديَّ لي، وكانا قد اعتمدا علي وجعلا مني سندا لنفسي ولمن احتاجني.

وثانيهم: ظروف حياتنا التي قادتني لذاك رغما عني؛ مرض، وغربة، وحياة غير مأمونة، ومداهنات ربما تلحق بنا من جانبٍ لم نكن نحسب حسابه..

واعتمدتِ على نفسك أول ما اعتمدتِ في تحصيل دروسك تحت إشرافي، إلى أن أَذَقْتِني ثمار غرسي فيكِ عندما اضطررتِ لفعله وحدك ذات غدرٍ، وتفوقتِ، وثأرتِ لي في ذاتِك.

علمتُكِ أن الساكت عن حقِّه شيطان أخرس، وما ضاع حق وراءه مطالب، ولم تكن شعارات؛ إذ أعتمد في تربيتك على المعايشة والتجريب.

كانت تضعني الحياة أمام اختبارات عسيرة، وكأنها عزمتْ على أن تربيني لأربيَكِ، اختباراتٌ جاءت لتثبت لي قبلكِ أنها حقا لم تكن مجرد شعارات…

فلستُ أنسى اضطهادك من زميلاتك الجدد وبعض من معلماتك في ذلك البلد الغريب، الذي لم نكن قد طبعنا آثار أقدامنا على ثراه بعد.

كنا غرباء، وساءت حالتك النفسية بسبب نبذهم لك، قتل التفكير خلايا عقلي؛ إذ ها أنذا أمام تطبيق عملي لمزاعمي، وسياط نفسي تنهرني بألسنة حداد؛ أن:
– هيَّا.. دافعي عن حقك وحق ابنتك، ولن يضيعَ ما دمتِ ستطالبين به.

ونفسي المترددة يحدوها الريب، تجيب:
= كيف؟ ومن سيسمح لي؟ هم كثرة، ولن يجدي الكلام نفعا مع هؤلاء، ثم أنني أخشى الحرج أمام صغيرتي بردَّة فعلهم، أو أن يطيح هذا اللقاء بمبادئ عانيتُ حتى حفرتُها في نفسها.

لكنني..
توكلتُ على الله
اصطحبتُكِ إلى إدارة مدرستك، ورزقني الله حسن بيان بفضله، وفصيح لسان، وقوة حجة..

أخرسهم الله، فاستمعوا، وما أن انتهيتُ حتى وجدت تباشير اقتناع على محيَّاهم، أعادت الدماء التي غادرت وجهي إليه.
وطالت رأسي عنان السماء لمَّا نما إلى مسمعي اعتذارٌ لكِ قبلي..

نظرت إليك، وقد رمقتِني رمقةَ ظافر، كدتُّ أحتضنُك، كدتُّ أطير بك محلقةً لنحتفل بانتصارنا بعيدا عن هؤلاء..

هو سِرُّنا، أنا وأنتِ، وفقط..
هي مبادؤنا، وهاك احتفاؤنا بنجاحها وصدق إيماننا بها.

أكملتِ مُدتك في تلك المدرسة محبوبةً، متفوقةً، ولكِ مكانةٌ خاصة بين الجميع، إلى أن جاء يوم وداعهم، فودعتْكِ دموعُهم…

لم يكن هذا موقفنا الأول، ولا كان الأخير، سبقه الكثير، ولحقه كثير الكثير، وتوج الله تربيتي لكِ بالنصر دوما، فكنتُ أُمًّا، وأنتِ نعم الابنة..

كنتِ تعلمين مدى شوقي للدلوف إلى الروضة الشريفة، وهي على بعد أمتار مِنَّا، لكن ضيق الوقت يحول دون إمهالنا فرصة الانتظار إلى أن ينفضَّ الحشدُ.

كان زحاما لم أقدر أنا وحدي على مكابدته أو التكيف معه، فكلُّهن جئن حاملاتٍ نفسَ شغفي للتقرب من رسول الله، وتلمُّس خُطاه..

كلُّهن يسوقُهن حبٌّ له عليه الصلاة والسلام، ربما يزيد عمَّا يحمله قلبي، ولا حياة لمن ينادي إذا نَحَّى لُبَّه جانبا، وقرر الاستغاثة بأيِّهن كي تفسح الطريق..

حبيبتي..
كنتن ثلاثتكن معي..
لم نفترق خطوةً منذ اجتمعنا..
وجودُكن يضعفني؛ إذ لن أخوض غمار معركةِ التزاحم خوفا على أيٍّ منكن من التعثُّر، أو أن تدوسَها الأقدام..

لكنكِ أبيتِ إلا دَفْعي نحو الروضة دفعا، كان يحملُكِ على هذا يقينُكِ بشوقي وشغفي لتلك الزيارة..

تراجعتُ وشجعتِني، خِفْتُ وحَمَّسْتِني، وكانت عادتك حبيبتي..
أن إذا يئستُ بعثتِ في روحي الأمل..
كنتُ أصدقُك كما صدقتِني.
كنتِ مخزونَ أفكاري ومبادئي التي تُرَدُّ إليَّ ذات احتياجٍ لأيٍّ منهم.

أطعتُك؛ قَبَضْنا أربعتُنا على أيدي بعضنا، وانطلقنا على بركة الله.
كانت رحلة بعيدة على قصر المسافة، لكن الزحام من شأنه أن يفعل.

تمسكتُ بِكُنَّ، وتمسكْتُنَّ بي وببعضِكُن، حتى وصلنا.

ليس هناك موضع للسجود، لا نرى أقدامنا لو نظرنا إلى موضعها، لكن لا مفر من صلاة ركعتين في الروضة الشريفة!

تمسَّكنا بعمود، دفعتِني إلى الصلاة وقد كنتُ رضختُ لفكرة الرحيل، والصلاة بعيدا..
رفضتِّ:
– صَلِّ، أُمُّاه، عليكِ السلام.
( أحبُّ هذا النوع من العِنادِ فيكِ)

أذعنتُ.
جعلتُكِ إلى جواري بمأمنٍ وأختيكِ، وشرعتُ في الصلاة..

بكيتُ بنيتي..
اختلط دمعٌ مشتاق لرسول الله بدمعِ فرحتي بكِ، دمع كان يزداد دَفْقُه عندما كنتُ أشعر بكِ تذودين الناس عني، وتَلُفِّين جسدي بجسدك إذا سجدتُ أو رفعتُ خوفا علي..

تعجلتُ في الصلاة خشية أن يصيبَكُن أذى، ولقلبي ألسنةٌ عدة، عساها تكفي دعائي لكِ..

بنيتي..
أتذكَّرُ هاتين الركعتين وغيرَهن ساعَ سجودي، وأثق أن ستتكرر صحبتُنا مع نبينا ذات يوم، وأنتظرها.

توقيع
أمك، الساعية إلى الكمال، وإن كانت عنه أبعدهم..

 

إليكِ ابنتي 

إليكِ ابنتي 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي