فَزَعٌ، تَبِعَه صراخٌ وعويلٌ يصدر عن تلك النُّفَساء وهي تحمل وليدها بين يديها، متأملةً خِلْقَتَه أو بالأحرى وجهه الذي خلا من أيَّة ملامح سوى فتحةٍ واحدةٍ متمركزة في وجهه.
بينما يقف أبوه إلى جوارها محَدِّقًا في وجه ابنه الجديد، مَشْدَوهًا مذْهولًا يكاد يُجَنُّ، واضعا يديه فوق رأسه، مُتَمنّيًا أن يكون كابوسًا يستيقظ منه في أقرب وقت..
– إلى متى ستستمر هذه الكارثة، سيدي الملك؟ لقد أوشكنا على الانقراض، فَمُذْ وطأت تلك الكائنات أرضَنا ولم يولد لنا ولدٌ مكتمل الخِلْقة!
قال هذا وزير البلاد ” خُزَيْم” لحاكم المملكة ” زاكان” منفعلًا، ولم يكن انفعالُه غريبًا على آذان الملك وإنما كان زائدًا تلك المرَّة وهو يَقْبِضُ على ذراع طفلٍ مطموس الملامح.
ثم احتقنت الدماء في وجهه وأردف في عصبيةٍ شديدةٍ:
– نحن أصدقاء من قبل أن تعتلي هذا العرشَ، وواجبي نحوك النصيحة، وواجبنا نحو ” موران” أن نعالج أبناءها، كما أن واجبنا نحو مستقبلهم أن ننقذهم من براثن هؤلاء الجيرونيين.
استمع ” زاكان” حاكم مملكة ” موران” إلى صديقه الوزير ” خُزَيْم” حتى أتمَّ حديثَه، ثم قال برويَّة تليق بحكيمٍ مثله:
– وما دَخْل الجيرونيين في أمرٍ كهذا؟ لا تدع المصيبةَ تنْسيك ما كُنَّا نعانيه قبل وصول بني ” جيرون”، فَكَمْ من ولدٍ وُلِدَ مطموس الملامح قبل قدومهم!
قاطعه ” خُزَيْم” موضِّحًا:
– لن أُنْكِرَ، ولكنها كانت حالاتٍ فرديةً، وكان خطؤنا أننا تهاونَّا في علاجها وتناسيْنا وجودها، إنما الواقع منذ عشر سنوات – وهي المدَّة التي قضوها بيننا- أنه لم يولد طفلٌ منذ مجيئهم، إذ أقلع كثير من أهالي المملكة عن مجرَّد التفكير في موضوع الإنجاب، ومَنْ يُذْعِن منهم للفكرة لا تدفعه سوى غريزة الأبوة لأن يحظى بطفلٍ معافً.
وبينما هما منهمكان في جدالهما، نما إلى مسامعهما جَلَبَة وصُراخ، يأتيانهما من حديقة القصرِ، انتفضا واقفيْن وأمامهما جميعُ مَنْ بالقصر من خَدَمٍ وجنودٍ، ليُصدَموا برؤياهم أحد العاملين في القصر غارقا في دمائه، وأشلاؤه الممزقة مُلْقاة على الأرض بجواره، بينما ابنه – الذي كان قد أصابه ما أصاب ذويه من أبناء المملكة- يَلُوكُ قطعةً من لحمه بعد أن اجتثتها أسنانه القوية التي بدأت في النمو قبيل أيام، غيْر عابئ بمَنْ حوْله، وفمه مُخَضَّب بدماء والده الذي فارق الحياة منذ لحظات.
انهار الملك ومَنْ حوله، وتقهقر الجميع خطواتٍ للوراء في هَلَعٍ شديدٍ، وأمر ” زاكان” بعضَ الجنود بتقييد ذلك الطفل الذي لم يبلغ الخامسة من عمره، وإيداعه غرفةً منعزلةً ريْثما يأتي الطبيب.
وقبْلَما يَسْتكمل أوامره، إذا ببعض الأهالي تتدافع من الخارج مذْعورين، صارخين، وبين أيديهم سيدةٌ في النَّزْع الأخير تنْزف من جميع أنحاء جِسْمِها وتُحَدِّق فيمَنْ حولها في ذهولٍ، هامسةً بصوتٍ ضعيفٍ يكاد لا يسْمع:
– فعلَها ابني الرضيع الذي لم يتجاوز العاميْن.
بات أهل المملكة ليلتَهم في رعْبٍ شديدٍ، يتفكرُّون فيما حدث اليوم، متذكِّرين ما كان منذ عشر سنواتٍ، فقد هالَهم ذات يومٍ ظهور هالةٍ برَّاقةٍ شَقَّتِ السماء، ضاربةً بجذورها في الأرض، فكادت تَعْمَى أبصارُ من حدَّقَ بها لقوَّة سَنَاها وشدَّة بَريقِها، كما فزِع كل مَنْ اقترب منها، وانطلق قافلًا، نائيًا بنفسه عن لَفْح حرارتها، وما أن هدأت الزوابع والأعاصير من حولها حتى بَدَتْ تلك الهالة المضيئة كأنبوبٍ ضخمٍ يصل ما بين السماء والأرض، استقرَّتْ فوهته على أطراف المملكة، ثم لاحت من خلاله أشباحٌ لمخلوقاتٍ تهبِط من عَلٍ، مَنْ طَالَعَهم من بعيدٍ رآهم كالبَشَر في هيئتهم، وإن كانوا أضخمَ بُنيانًا، بأجسادٍ زرقاء وستْراتٍ شفافة، لكنَّ مَنْ وضَعَه حظُّه في موقعٍ قريبٍ منهم رآهم مطموسي الأوجه، فلا عيْن ولا أنف ولا فم وكذلك لا أُذُن لهم، لكنَّ أصواتَهم كانت واضحةً، مسموعةً، رغم أنه لا أحد من سُكَّان ” موران” يدري من أيْن تخرج تلك الأصوات الرفيعة العالية التي تُردِّدُ:
– نحن شعبُ كوكب ” جيرون” العظيم.
ثم شرعوا في بناء بنيانٍ يأويهم، وقد كان معهم أدواتٌ ومعداتٌ ما رآها واحدٌ من أهل المملكة من قبل، ساعدتهم في تكسير بعض الحجارة من جبل البلُّور العظيم القابع في أطراف المملكة، وكذلك استخرجوا بعض المعادن؛ من ذهبٍ ونحاسٍ من باطن الأرض بمعدَّاتهم الخارقة تلك.
ثار شعب ” موران” بقيادة الملك ” زاكان”، وتدخَّل الجيش في محاولةٍ منهم لردْع هؤلاء الغزاة والتصدِّي لهم وطرْدهم من بلادهم والمحافظة على ثرواتها، ففوجئوا بمجموعةٍ من أولئك الجيرونيين يحيطونهم بأعداد هائلة، ويداهمونهم بطلقاتٍ من موجاتٍ ضوئيةٍ حمراء شَلَّتْ أيديهم وأسقطت ما بها من أسلحةٍ، فتقدَّم إليهم بعض شُجْعان الجيْش، فأطلق الجيرونيون عليهم بضْع رصاصاتٍ دقيقة الحجم، سرعان ما أحالتهم إلى أشلاء.
تقهقر الجيشُ وأبناءُ الشعب الذين حضروا تلك المجزرة؛ إذْعانًا لأوامر ” زاكان” الذي خشي على بقية الجيش والشعب من أسلحة الغزاة الفتَّاكة.
وما هي إلا سويْعات حتى أُقيمَت قلعة مَهِيبَة، هائلة البنيان، شاهقة الارتفاع، محاطة بأحجار ملونةٍ، ذاتيَّة الحركة والإضاءة، يبدو أنهم أحضروها من كوكبهم، فكَسَتِ القلعةَ بريقًا أخَّاذًا.
تكررت تلك الحوادث، فمَنْ يُنجبُ يأتِ وليدُه مطموسَ الملامح، ثم تنبُتُ له أسنان في الفتحة الوحيدة المتمركزة في وجهه، فينْبَرِي لأكل لحوم البَشَر ممَّنْ حوْله.
علِم الجميع أنهم ما كانوا يأوون طيلة الفترة السابقة سوى وحوش وكأنَّهم كانوا يربُّونها لتنمو وتتغذَّى على لحومهم!
امتلأت السجون بهؤلاء الوحوش متفاوتي الأعمار، ولمَّا فُقِدَ الأملُ في علاجهم، أمَرَ الملكُ بقتلهم وتخليص المملكة من شَرِّهم.
كما فَشَل الجنودُ مرَّاتٍ عِدَّة بأسلحتهم الفتَّاكة في اقتحام قلعتهم المُحصَّنة، لكنَّ ” زاكان” لم ييأس، واستمرَّ في تطوير الجيش ليتمكَّن من طرد هؤلاء الغزاة، وصَدَرَتْ الأوامر في البلاد بمنع الإنجاب ريْثما تنتهي تلك الكارثة.
في باحةِ قصر ” زاكان” المُنِيف، وقف أحد الجنود متحدِّثًا إليه، قابضًا بإحدى يديه على رأس شخصٍ من أهل المملكة، وفي يده الأخرى بعضُ أشلاءَ كانت ملقاة إلى جوار رأسه، رفع يديه قائلًا:
– بالرغم من القضاء على جميع مطموسي الملامح المتحوّلين، سيدي الملك، إلا أن حوادث القتل والتمزيق لم تتوقَّف بعد.
نظر الملك إلى ” خُزَيْم” الذي كان حاضرًا، أطْرَق برأسه واجِمًا، فأمر الملك عندئذٍ بمراقبة جميع الطرق وتفتيش البيوت، ربما وجدوا ضالَّتهم.
وأثناء تفقُّد بعض الجنود شوارع المملكة ليلًا – انصياعًا لأوامر الملك- انتبهوا إلى أصوات خشخشةٍ غريبةٍ، إضافةً إلى رائحة دماء منبعثة من وراء جدار أحد البيوت، داهموه، فإذا بهم يجدونه مُفْترِشًا الأرض ومُمَدَّد أمامه رجُل انفجرت الدماء من وتينه، فلم يفارق الحياةَ بعد، وذاك الوحش يقذفهم بنظراته المتوعِّدة، بينما يلوك قطعة لحمٍ قَضَمَها لِتَوِّه من عُنقِ فريسته، أحكموا قبضتهم عليه واقتادوه إلى سجن المملكة وألقوا به داخل أحد الأقفاص الحديدية التي صُنعَتْ خِصِّيصًا لأمثاله.
حضر ” زاكان” الذي كادت المفاجأة أن تعْمي ناظريه، فما ذاك الوحش إلا ” خُزَيْم” صديقه ووزيره.
حدَّجَه في ذهولٍ من هوْل ما رأى، وكانت القضبان والشِّبَاك الفولاذية تَحُولُ فيما بينهما، فَغَرَ فاه واتَّسَعت حدقتاه وسأله مشدوهًا:
– مَنْ أنت؟
أجابه مَنْ يَقْبَع وراء القضبان، ساخِرًا:
– واحدٌ ممَنْ هبطوا إلى أراضيكم، ولم تستطيعوا حتى مقابلتهم طيلة عشر سنوات.
زاد اندهاشه، فأردف:
– وكيف خدعتمونا إلى هذا الحدِّ؟
أجاب مبتسمًا في شماتةٍ:
– نُجْرِي عليكم التجارب منذ عقودٍ كثيرةٍ، وتلاعبْنا في جينات أبنائكم لتدمير مستقبلكم، فحوَّلنا جميع الأجنَّة إلى مُسُوخٍ في أرحام أمهاتهم، فما يلْبثوا أن يتحولوا إلى وحوشٍ ضاريةٍ بمجرد نمو أنيابهم، فليس في معدتهم مكانٌ لأعشابكم، صُمِّمَت فقط لتستقبلَ لُحُومَكم.
كَظَمَ ” زاكان” غيْظَه حتى يتحرَّى الحقيقة كاملة، وقال بغَضَبٍ مكتومٍ:
– لكننا توقَفنا عن الإنجاب، فما استفادتكم الآن؟
اهتزَّ جَسَدُه ضاحكًا، وقال مُحْتَقِرًا مُحَدِّثه:
– يا لغباء الحاكم! فمن أيْن لكم بمستقبلٍ ما دمتم توئدون أبناءكم؟
ثم أردف، قائلًا:
– هذا ما نطمح إليه؛ خُطَّتنا تتلخَّص في تدميركم، وها أنتم ساعدتمونا بسدِّ نافورة الإنجاب، فتيسَّرَت مهمتنا.
لم يستطع ” زاكان” كبْح جماح غَضَبِه، فقال في انفعالٍ شديدٍ:
– وما الذي سيعود عليكم لو اندثرنا عن بَكْرَةِ أبينا؟ أَوَضاقَ بكم ” جيرون”؟
ردَّ في فتورٍ مدمِّر:
– نحن قومٌ منبوذون من أهل كوكبنا، لأننا عنصرٌ رديء بالنسبة لهم، فقد انْحَدَرْنا من نَسْل أبٍ جيرونيٍّ وأمٍّ بوشِيَّةٍ، من كوكب ” بوشيه” الحقير، الذي كانوا يستعينون بسكانه لخدمتهم، وإجراء التجارب عليهم، فَتَحمَّلْنا دفْع ثمن ذنبٍ اقترفه أبٌ طائشٌ، لو طالتْه أيدينا لقطّعناه وزوجَه الحقيرة إرَبًا.
ظللنا تائهين بين الكواكب أعوامًا إلى أن اهتدينا إلى نقاط ضعفكم لنتمكَّن من إبادتكم، فلا يكون على كوكبكم منازِعٌ لنا، قد اخترناه ملجأً ومُسْتَقَرًّا، فوضعنا خطةً طويلة الأمد للقضاء على الذُّكور منكم مع الإبْقاء على إناثكم لنتزوجَ بهن فيما بعد، وبالتالي تتحسَّن سلالتنا، وها نحن على وشك إنهاء خطَّتنا.
تمايل ضاحكًا، وكأن ” زاكان” قذفه بوابِل من النِّكات، ثم تماسك قائلًا:
– لا.. ” خُزَيْم” غيْري، فأنا صديقك منذ الطفولة، ولا تندهش إذا اكتشفت أن أقرب النَّاس إليك جيرونيٌّ.
وأردف:
– قُلْتُ لك أنها خطةٌ طويلة الأمد.
خابَ رجاء ” خُزَيْم” الجيرونيّ، فلم يلْقَ من ” زاكان” رَدَّ الفعل الذي كان ينتظر؛ لَمْ يَمُتْ كَمَدًا، ولا تَحَرَّقَ غيْظًا، وإنما أطال النظر إليه بابتسامةٍ ساخرةٍ، واستمع إليه ببرودٍ إلى أن أنهى حديثه، ثم قال:
– وهل سيتْرككم شعبُ ” جيرون” الأصيل لتُفْسِدوا كوكبًا عظيمًا ككوكب الأرض بغبائكم، وتلوِّثوه بدناءة وحقارة جيناتكم؟!
اندهش ” خُزَيْم”، وقبل أن ينبس ببنت شفة، فوجئ بزاكان يشير بإصْبعه، فكَشَفَ جنوده السِّتار عن أقفاصٍ لا حصْر لها، تفقَّدَها، فوجدها ملأى بإخوته الجيرونيين البوشيين، ففَغَرَ فاه مشْدوهًا وكاد لُبّه أن يطِيرَ من هوْل المفاجأة لمَّا رأى ” زاكان” يتحول أمامه إلى جيرونيٍّ نقيٍّ أصيلٍ، بجسده الأرجوانيّ الضخم وذيله الأحمر الطويل ورأسه المحدَّبَةِ وقرْنِه الذي يزين أعلى منتصف جبهته، وهو نفْس ما حَدَثَ للجنود من حوله.
تلعثَم وهربت الكلمات من بين شفتيه البشريَّة، فبادره ” زاكان” الجيرونيُّ قائلًا:
– جَنَى عليكم أبوكم بزواجه البوشيَّة، فكان أقلّ ما حُرِمتم منه القدرة على الخِداع والتنكُّر، كان تَخَفِّيكم في هيئة البشر هو أقصى مساعيكم وإنجازاتكم، بل ولا يمكنكم العودة لهيئتكم البوشيَّة ثانيةً، وقد بَذلتم جهدًا عظيمًا طيلة عقودٍ مَضَتْ وتلاعبتم في جينات بعضكم فقط لتجعلوا منكم مُنْدَسِّين بين البَشَر، وقد أدَّى تلاعبكم ذاك إلى تحويل البعض منكم إلى آكلين للحوم البَشَر، على خلاف طبيعتكم، كما حَدَث معك، فزادت حقارتك.
ولقد مَكَّنتنا قدرتُنا على التخفِّي في أي صورةٍ من سَبْرِ أغواركم وكشْف خطَّتكم وتتبُّعكم منذ عقودٍ طويلةٍ، ثم الفوْز بما نجحتم في الاستحواذ عليه، فقد نجحتم بالفعل في القضاء على كثيرٍ من بني البشر، ولَمْ يبْقَ أمامنا إلا أن نُبِيدَكم لنهتمَّ باستكمال خطَّتكم، ليمتدَّ مُلْك شعب ” جيرون” الذكيِّ إلى ” الأرض” بلا منازع حقير مِثْلكم.
وما أن أنْهى جملته حتى أشاح بوجهه وهَمَّ أن يغادر، فاستوقفه صائحًا:
– وأين ” زاكان” الحقيقي وجنوده؟
قال بحسْمٍ:
– ولِمَ نُبْقي على حياتهم؟!
ثم أشار إلى جنوده، فملأت أشلاء البوشيين الزرقاء المكان، وغرقت الأقفاص الفولاذية بدمائهم الأرجوانية..