أدبي

رحلتي من الجنون إلى الموت

رحلتي من الجنون إلى الموت

بقلم: قويدري سميرة

بعد أن نموت مرات عديدة و نحن على قيد الحياة، لا يمكننا أن نجزم أن الموت شبح مرعب

كثيرون هم من تروادهم أشباحًا جراء محياهم، الكثيرون يخشون الليل و يخافون الفجر الآتي،

يتعمد العديد من الناس النوم قدر المستطاع ليس كسلاً و لكن خوفًا من ما يوجد خلف باب الغرفة

      أنا محمد.. أظنني أول رجل عشق الموت حد الثمالة، لقد رأيت فيه دائمًا فرصة النجاة من الحياة والسبيل الوحيد للحاق بوالدتي.

حين رحلت والدتي تغيرت مقادير الكون، ولم يعد بعد الليل صبح آتٍ كالمعتاد،

قد غزت الظلمة كل أوقاتي و توقف قلبي عند طفولته المجروحة بينما واصل جسدي نموه وسط ذلك الظلام.

    أصبح هذا العالم فارغًا أجوفًا، زحمة المارة و صفير السيارات، صوت الصبية الصغار المتزاحمون إلى باص المدرسة،

الإحتفالات العظيمة التي كانت تقام في البلاد خاصة أيام الأعياد الوطنية، كل هذا لم يغير شيء في حقيقة وحدتي بعد رحيل والدتي،

في سياق الحديث عن الأعياد حتى الأعياد الدينية لم أعد أشعر بها، حتى عيد ميلادي لا أكاد أتذكره… أي عيد قد يعيشه مشرد يتيم!

  نحن المشردون اليتامى لا نعيش الأعياد، نحن نشاهدها فحسب.

  لم أكن من أولئك الذين يتلقون التهاني صبيحة العيد ولا من الذين يشترون زيًا جديدًا قبيله،

ولا من الذين يأخذون قطعة من حلوى العيد التي تحضرها الأم للضيافة خلسة،

أنا فقط من أولئك المشردين الذين ينظرون لكل شيء بحرقة مكتسين حلة الصمت مكتفين بالتنهد بعينين مترقرقتان تلمعان بكل ماكان ينبغي أن يقال،

قد أصبحت حياتي بعد رحيلها مقبرة للآمال المفقودة.

        أردت أن أقول شيئًا..الموت ليس سيئًا كما عُلمنا منذ الصغر؛

أحيانا مأساتنا في محيانا بعد أن نفقد الحضن الوحيد الذي كان يهدئ من صخب الدنيا المشتعل داخلنا،

الحضن الوحيد الذي يمنحنا السكينة والرغبة في استقبال يوم آخر و عيشه بكل لهفة

رغم أننا عزمنا الليلة الماضية أن الحياة لم تعد مغرية، وأصبحت مواجهة الموت أسهل بكثير من مقاومة عواصف عاتية تضربنا من كل جانب،

من الأقربون، من الأصدقاء، من صعوبة العيش وصعوبة الوصول إلى مصطلح الطمأنينة،

إلا أننا بعد كل مرة نجثو فيها على ركبنا بينما نغرس رؤوسنا في أحضان أمهاتنا كأنما نستشق حينها من ذلك الحنان طاقة تسلك مسارها نحو الرئة

فيتبخر الكربون الذي كان يخنقنا، ويأتي بدله أكسجين يشعرنا برحابة الصدر ووسع الخاطر..طاقة تشحننا بالرغبة في مواجهة يوم آخر و عيشه بأدق التفاصيل

وكلنا يقين أن مرارة الوقت مهما اشتدت إلا أن لها يومًا تختفي فيه، ويسطع نور يلوح من خلف الأفق ويشرق معه كل حلم جميل.

لقد فقدت هذه المشاعر حينما أفلتتني أمي في بداية الطريق، و استسلمت لسرطان خبيث

أخذها وأخذ معها كل ألواني البهية، لم يبقَ لي غير الرمادي القاتم أو الأسود الحالك، كلاهما مظلمان.

قد يبدو الأمر غريبًا أو مبالغًا فيه، فكم من رجل يتيم استمر بالحياة ولو أن بقلبه عطب، إلا أنه استمر، أما أنا..فلم أستطع.

أعلم أني ضعيف لدرجة كبيرة؛ فأنا في النهاية رجل كان علي أن أكون أقوى من أن أضع حدًا لحياتي، أقوى من أن أفقد عقلي و أُشبه بالمجنون.

    أحيانًا عندما أستعيد بعضًا من قوى عقلي، أجد أنني قد كنت قويًا في فترة ما،

لكني أضعف كلما تذكرت أنه كان من المفروض أن أبقى إلى جانب والدي بعد وفاة أمي،

إلا أنه تخلص من كل شيء يربطه بوالدتي و كنت أنا من ضمن الأشياء التي تربطه بها فتخلص مني!

الكارثة أنه لم يسمع عن موتي إلا بعد شهرين!

 لأنه لم يسأل عني منذ سنين، وكلما حاولت الوصول إليه لا يستقبلني، ترى لو حدث العكس!

لو توفي والدي بدل أمي هل كانت أمي لتتخلى عني؟!

    لو أنك تدرين يا أمي ما فعلته الحياة بي من بعدك، قد تركتِني كالطير المبتور الجناح، أو كمن فقد نور عينيه فلم يعد يرى سوى السواد.

     لُقبت بالمجنون لشعري الذي لم أحلقه منذ مدة، انسدل على كتفاي و تعفن من كثرة ما احتضنتني الشوارع في الليالي الحالكات تحت حر و برد،

و لم يعد يكسو عظامي غير جلدة متسخة بالية بدورها، لكنك وحدك من ستصدقين أني لم أكن مجنونًا، أو ربما كنت كذلك! أنا لم أعد أستطيع التمييز.

     أنا أذكر ذلك اليوم جيدًا، يوم عدت إلى والدي أرتجي منه أن يحتويني في ظله بعد أن طردني من المنزل عند وفاتك مباشرة وأصبحت مشردًا لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره.

    أن تترعرع بالشوارع وضع مقرف مقزز لكني تعودت الاستلقاء تحت الأسوار،

ثم ألتحف نفسي و تداعبني آلامي حتى أغفو، قد حاولت مرارًا أن أعود إلى وحشية والدي

فقد خيّل لي في مرات عدة أنها ألطف من وحشية الشوارع لكن الأمر كان سيان.

   عدت إليه مرة، وانتهى بي المطاف في مخفر الشرطة، لم أعلم تهمتي سوى أن زوجك تبرأ مني فاستدعى الشرطة ليأخذوني… لا يريدني!

    مضيت مرة أخرى أجر أثقالي نحو الشوارع التي آلفتني، منكسرًا ذليلاً أنتظر معجزة تخبرني أنكِ عدتِ على قيد الحياة،

فقد كنتُ أيامًا على قيد الممات، أحتاج حضنًا عميقًا منك يعيدني للحياة، حضنا يعيدني إلى نفسي.

    أماه! لست مجنونًا. لكنهم من فعلوا ذلك بي.

     قمت ألعن مكائد الشيطان مرة أخرى وعزمت أن أبادر بالصلح مجددًا مع والدي، فسرت نحوه أحمل آمالي إلى جانب آلامي،

أنا أحتاج العودة إلى البيت فإن لم يعطف والدي على الأقل وجدت عطرك هناك؛ أتخيلك في الزوايا فأضم طيفك إليَّ..عليِّ..أطرد به وحشتي.

      بادرت بالصلح لكن هذه المرة انتهى بي الأمر في المصحة؛ المصحة العقلية. وهنا بدأت رحلتي مع الجنون.

     أمي، أخبريني.. لم تزوجتِ رجلاً لديه أولاد من قبلك فربائبك لم يقبلوني بينهم قط،

أما والدي فاحتضنهم كأنهم وحدهم من صلبه، أما أنا فمن صلب الشيطان!

    قد أخذني ربائبك إلى المصحة مكبلا، صرخت كثيرًا في تلك المصحة بأني لست مجنونًا، أنا لست إلا مشرد يتيم..لكن لم يصدقني أحد،

ثم تعاون على إمساكي ثلاثة رجال يرتدون مآزرًا بيضاء. أما رابعهم فقد غرس بي حقنة شعرت أنها تنغرس في صدري، أجل،

قد كانت في صدري أخشى أنها لم تكن بصدري فحسب بل كانت في قلبي.

    تُركت بعد فترة لأعود للشوارع لكن حينها كان الأوان قد فات فقد بدأت فعلا رحلتي إلى الجنون؛

أصبحت أتكلم إلى نفسي كثيرًا، ثم أضحك فجأة كثيرًا، ثم أبكي في اللحظة التي تليها مباشرة!

لم أعد أبالي بزحمة السيارت التي أحدثها عند عبوري الطريق دون وعي، كنت أسمع شتائم السائقين لكني لا آبه لذلك

و صرت أبحث مرارًا عن طريقة تأخذني إليك أمي، عن مجرم يغرس خنجره بصدري، أو شاحنة تمر من فوقي، أنا أريد الوصول إليك،

الحياة ليست شيقة، لا تستحق المثابرة و لا التمسك بالبقاء، لم يعد الموت يخيفني كنت أرتقب ملك الموت مسالمًا مستسلمًا ليأخذني إليك.

أقسم أني سأقبله إن استطعت حين يأتي لأخذ روحي.

     ثم جاءت لحظة سعدي؛ كنت يائسًا ليلتها تعبت من التيه، من الضياع، من شعوري بأني عبئًا على الآخرين،

لست أدري ليلتها حينما دعستني تلك الشاحنة هل كان خطأ السائق أم أني من ألقيت بنفسي تحتها؟!

 فأنا لم أكن متمسكًا بالحياة كثيرًا، كل الصباحات التي كانت تشرق سابقًا أشعرتني بالخوف من أن أعيش يومًا آخرًا و مازلت أنا التائه البائس الوحيد.

حينما سحقت الشاحنة عظامي لم أشعر بالألم، لكني شعرت بتشنج عضلات وجهي

، فقد كنت أبتسم كأنني رأيت والدتي التي فارقتني قبل خمسة عشر سنة تلوح لي من السماء، فكانت سعادتي في موتي، لحظتها هدأ كل ركن فيَّ،

فارقني الصخب و الضجيج و الحروب و المعارك التي كانت تعلن داخلي، وشعرت بالسكينة للمرة الأولى بعد خمسة عشر سنة،

كانت تجتاحني من أصابع قدماي و تسري بجسدي حتى أثقلت عيناي واستسلمت لأغط في سبات أبدي.

    لم يكن لدي أقربون يقرأون قرآنًا بجنازتي، شيعني قلة من المحسنين فقط، وأتيت صوبك باسم الثغر كأنه يوم عرسي و ليس جنازتي فضميني إليك يا أماه.

رحلتي من الجنون إلى الموت
رحلتي من الجنون إلى الموت

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي