أدبي

صبر

المرأة والطفل

صبر

بقلم: شيماء الجمل

لم تكن تبحث عن شعرة شقراء على سترته، أو أحمر شفاه على ياقة قميصه، بل بحثت عن نظرة عينه المتأملة فيها وفي تفاصيلها، أحضانه الدافئة الحانية، أنفاسه المتهدجة المتعطشة لأنفاسها، مشاعره الظمأى لأن تبثها شوقه للقائها. كل هذا تغير، الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو حبه لأولاده، ولكنه لم يعد لديه الوقت الكافي لهم.

هي فقط من افتقدته منذ فترة، لم تعد ترى سوى الفتور وبرود المشاعر، فجوة تتسع يوما بعد يوم. حدثت نفسها: بالتأكيد ليست الخيانة، ربما كان هذا بفعل الوقت، الهموم، ضغوط الحياة، أرادت أن تطمئن نفسها ولو كذبا.

لا توجد أخرى، زوجي يحبني ولا يستطيع أن يكون مع غيري، أنا نصفه الوحيد، نصف لايتجزأ، ربما يكون متعبا، مريضا، نعم، هو مريض ولا يريد إخباري، يشفق عليّ ويتحمل آلامه بمفرده، لأنه لا يتحمل رؤية حزني.

رددت تلك الكلمات كثيرا ويوميا، حتى أتى ذلك اليوم، سمعت صوت الهاتف فأجابت:

– حرم الأستاذ حازم؟!

=نعم أنا

– لقد ظهرت نتيجة تحاليلك، نرجو منك الحضور لاستلامها

=أي تحاليل؟

– لقد أجريت تحاليل الحمل وصورة الدم منذ أسبوع، نرجو منك الحضور لاستلامها ودفع باقي المبلغ.

طلبت منه العنوان، استغرب لطلبها، لكنه في النهاية لا يريد سوى نقوده.

ذهبت من فورها واستلمت التحاليل، قرأت اسم غريمتها فوقه، كانت هي من أعطتهم رقم هاتفها، أرادت توصيل رسالتها بشكل مختلف.

رسالة مفادها (عزيزتي، أنا حامل من زوجك)

لم تدر كيف عادت إلى منزلها، سحابة من الدموع تجمدت في عينيها، انتظرت حضوره. في المساء، وبعد تناوله لطعامه أحضرت له التحاليل، اتسعت عيناه عندما قرأ الاسم:

– من أين حصلتِ على هذا؟!

=منحتهم صاحبته رقمي، أرادت أن تؤكد إحساسا كذبته طويلا. لم أتفاجأ أبدا، لكن يهمني أن أعرف ماذا تكون لك، زوجه أم عشيقة⸮

أجابها سريعا وكأنه يطمئنها:

– بيننا عقد عرفي، سأمزقه وينتهي الأمر

=اتق الله، كيف تقول هذا ولديك ابنة، تخاف مني ولا تخاف الله؟!!

من أنت، أنا لم أعد أعرفك، أخذت خطوة ولم تأبه بخسارتي وخسارة بيتك، والآن لا تأبه بغضب الله؟! هي زوجتك، وحامل في ابنك، اذهب إليها، تحتاجك؛ فهي تعاني ضعفا عاما، تحمل مسؤوليتك وإلا انسَني، وانس هذا البيت.

=أنتِ من تقولين هذا! لقد أخذتني منك

– لم تأخذك، ذهبت بملء إرادتك، لست طفلا، ولست ضحية، بل كلنا ضحاياك..نحن، وهي وطفلك القادم.. اذهب سامحك الله.

يعتصر الألم صدرها، ولكنها تعلم أن ما تفعله هو الصواب، فقبل أن تخاف على نفسها، تخاف على أبنائها وبناتها، لم تكن حزينة لأنه ذهب لأخرى، كانت حزينه لأنه استطاع أن يقسو ويهجر ويبتعد.

تركها وذهب، فأفسحت مجالا لسحب عينيها أن تمطر لتنمو أحزانها وتكبر.

صبر
صبر

تمت المراجعة والتنسيق من قبل فريق

مجموعة ريمونارف الأدبية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي