آخر مانتناوله في الصورة الفنية بعد أن تعمقنا في أنواعها. هو تناول وظيفة الصورة ودورها في السياق الكلي للنص. وقد تناولنا بالشرح والأمثلة الواضحة أنواع الصور. من صورة مفردة ترسم الصورة الخارجية. تستقل بنفسها دون أن تتناول تفاعل الأديب الوجداني مع الصورة، كما شرحنا في استخدام امريء القيس للصورة. حيث أوضحنا ان كل صورة عنده مستقلة بذاتها ولا أثر لها في السياق الكلي للنص. كما تناولنا الصورة المركبة التي تجمع ما بين الصورة الخارجية والتفاعل الوجداني لمنشيء النص معها، كقول الشاعر أبو فراس الحمداني؛
معللتي بالوصل والموت دونه إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر
حيث وضحت الصورة حالته من عدم الوصل مع الحبيب. وتفاعل هذه الحالة في وجدانه حيث أنه وصل إلى حالة من اليأس والقنوط أدت إلى أن يدعو على البشرية كلها بالظمأ إذا مات وهو في ظمأ لوصل محبوبته. فالصورة هنا تناولت الحدث الخارجي وتفاعله مع الحالة الوجدانية لمنشئ النص، كما تناولنا أيضا الصورة الكلية (ممتدة) التي تؤدي وظيفة الرسم بالكلمات وقد حللنا بالتفصيل الصورة الكلية عند محمود درويش.
الصورة الشعرية
ننتقل اليوم للجزئية الأخيرة، وهي: ما الدور الذي تؤديه الصورة الشعرية؟
وللإجابة على هذا السؤال. نقول إن الصورة الشعرية ليست مجرد حلية لفظية في النص. وإنما هي كيان حي يستمد أهميته من أداء مجموعة من الوظائف في النص الأدبي أبرزها:
– الوظيفة النفسية:
التركيز على نفسية الشاعر وتجربته الوجدانية، بدل التصوير الوصفي للمظاهر الخارجية.
والبعد النفسي في هذه الصورة هو ما يمنح النص الشعري رونقه وجماليته.
– الوظيفة التأثيرية:
تلجأ إلى تجسيد ما هو تجريدي وذهني وإكسابه أبعادا حسية بهدف التأثير السريع في المتلقي. وهي وسيلة لإقناع المتلقي بفكرة من الأفكار أو معنى من المعاني، وإثارة الاستجابة الفنية لديه.
-الوظيفة التخييلية:
تتجلى أهمية الوظيفة التخييلية للصورة الشعرية في ثلاث أمور:
أ- تحويل موصوفات العالم الخارجي إلى تجارب إنسانية تتداخل فيها ذات الشاعر مع ذات الطبيعة.
ب- تحويل الأبعاد المادية لمظاهر الكون إلى صور حية نابضة بالحياة.
ج- تزيين المعنى المنقول وذلك بتوليد رؤية خاصة لا تكتفي بنقل المعنى بل تعيد انتاجه في صورة فنية جميلة تمكن من تفاعل المتلقي مع أحاسيس الشاعر ووجدانه.
بغير هذه الوظائف تفقد الصورة مبرر وجودها في النص؛ فالصورة قيمة في ذاتها لا زينة أو أداة تعبير مجردة، بل هي التي تُوحّد بين عناصر المبنى الشعري وتمنحها قيمة جديدة. أي أنّها تُحدث التغيير في نظام التعبير عن الأشياء، حيث أن الصور البيانية وأعلاها درجة الاستعارة. تعمل على نقل الإحساس بدرجة أعلى. كما تفوق الاستعارة التشبيه من جهة القيمة الفنية ، حيث تستطيع الاستعارة الإشارة إلى عناصر أخري خارجة عن السياق الذي تنتهجه القصيدة. ومن ذلك يمكن القول أن الاستعارة لها قدره أكبر على الإيحاء. لذا فإن الاستعارة عندما تكون مجرد حلية لفظية تفقد الصورة الإيحاءات وبالتالي قوةً التأثير في المتلقي والذي هو لب وظيفة القصيدة.
ختامًا فإن هذا المقال قدم لمحة دالة على وظيفة الصورة في النص الأدبي وتأثيرها في وصول النص للمتلقي بأكثر صورة تبقيه في ذاكرته، شاكراً أعزائي القراء على صبرهم على لكشف ملامح الإبداع الأدبي على مدى ٣٦ مقالًا أتمنى أن تكون قد كشفت اللثام عن أسرار بناء النصوص الأدبية، متمنيا أن يكون أبنائي وبناتي من الشعراء الريمانوفيين الذين أسروا الساحة بإبداعاتهم المتميزة قد استفادوا من هذا السرد للمزيد من التجويد والإتقان في مسارهم الإبداعي. فإن كان في السرد فائدة استفادوها فما هي إلا توفيق من عند الله، وإن وجدوا فيها قصورا فهو من نفسي والشيطان. وإلى لقاء قريب مع أسرار بناء العمل القصصي بأنواعه قريباً إن شاء الله تعالى.