أدبي

قراءة نقدية في فن القصة (١٠)

عنصر المفاجأة في القصص القرآني

وقت النشر : 2022/11/23 03:54:07 PM

قراءة نقدية في فن القصة (١٠)

عنصر المفاجأة في القصص القرآني

بقلم: مصطفى نصر

عنصر المفاجأة في القصص القرآني عالم شديد الثراء. إذ يجعل الله تعالى للقصة خبايا وأسرارًا لم تكشف. تسير في خفاء عن القارئ، فتفاجئه بنهاية غير متوقعة للحدث. ودونك في ذلك ما تحدثنا عنه باستفاضة عند تناولنا لقصة أصحاب الجنة، (سورة القلم ” ١٧” وما بعدها). هؤلاء الشباب الذين أرادوا في أول عام لوفاة أبيهم، أن يكسروا ما اعتاده أبوهم الراحل من سخاء في إخراج حق المحصول يوم حصاده. وذلك بإيفاء الفقراء حقهم وزيادة في ذلك اليوم، مما كان يعظم ويبارك في محصول جنته، فتؤتي أكلها أضعافًا كثيرة.

فقال أبناؤه في اجتماع مغلق عقدوه بليل: إن أولادنا كثر، وهم أولى بفائض المحصول الذي كان يوزعه أبونا على الفقراء. فلا يدخلنها علينا اليوم ساعة الحصاد مسكين. فأسروا فيما بينهم سيناريو حرمان الفقراء مما كان أبوهم يعطيهم في سخاء تجارة مع الله بالحصاد في الليل. وتم جمع المحصول، وتشوينه قبل أن يصحو أحد من الفقراء.

الله يفعل ما يريد

لكن لأن العبد يريد، ويفعل الله ما يريد. نفاجأ بسيناريو آخر مفاجئ لم يخطر لنا على بال، يخبئه المولى عز وجل في خفاء. حيث نفاجأ بـ(حاصب) من السماء- جاء هكذا نكرة، ليترك لعقولنا تخيل كنهه وحقيقته. نزل بليل على المحصول فأحاله إلى رماد. وذلك نتيجة بخلهم على الفقراء. وفوجئنا بسيناريو آخر طابعه الحسرة والندامة، وذلك بعد أن تلقى الشباب هذه الصفعة المؤلمة لتعيدهم إلى صوابهم فيستغفرون الله من سلوكهم الأناني، ويعودون إلى جادة صواب العقل.

نفس هذا (الحاصب) الذي أصاب خطة البخل التي وضعها الشباب في مقتل، وجدناه يتكرر بحذافيره في موقف آخر هو موقف الصلف والغطرسة من صاحب الجنة الذي أكرمه الله بحديقة يفصل بين جانبيها نهر في (سورة الكهف “ي ٣٢” وما بعدها) حين قال لصاحبه في ساعة (نفخةكدابة) “أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا”، ثم يجرؤ على الجزم بأن مزرعته “لن تبيد هذه أبدًا” ثم تطورت الغطرسة إلى درجة أعلى وهي إنكار البعث “وما أظن الساعة قائمة”. فما كان نتيجة هذا الطغيان إلا أن أنزل الله على جنته (حسبانًا) من السماء. فأحرق محصولها، فأصبح يعض بنان الندم على فعلته. ولم يجد له أولياء ينصرونه من دون الله، فكان الخسران المبين.

خرق السفينة

وفي قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح (الكهف “ي ٦٠” وما بعدها) الذي جاء في بعض الروايات أنه نبي الله الخضر – صاحب العلم اللدني- يتجلى منطق الصراع والحبكة القصصية القائم على التقاطع بين منطق أهل العقل ومنطق أهل الباطن. حيث فوجئ موسى الذي يمثل العقل من الرجل الصالح فعلا بشعًا يتنافى مع الصلاح، فهو قد خرق السفينة، وقتل الطفل البريء، وأقام الحائط مجانًا في قرية أهلها بخلاء رفضوا أن يضيفوهما ولو بجرعة ماء، فأصابه الأمر بالذهول، ولم يستطع أن يصبر عليه.

ورويدً رويدًا نصل إلى الحل، حيث يتجلى لنا أن كل هذه الأمور لم يفعلها الخضر من نفسه، وإنما هي توجيهات إلهية له. مصرفًا للخطاب بين (أردتُ) حينًا، و(أردنا) حينًا، و(أراد ربك) مرة ثالثة بصورة جعلتنا في ربكة تامة؛ تارة مع عمل فردي، وأخرى لا ندري إن كان عملًا جماعيًا، أو هو من لغة الواحد المعظم نفسه، وثالثة تدل على أنها أمر إلهي خالص.

رمزية الأفعال

وهنا تتجلى لنا رمزية هذه الأفعال، إذ أن المنطق السليم يأبى أن يقتنع بأن خرق السفينة وإفسادها وإغراقها حل لحمايتها من الحاكم الظالم الذي يأخذ كل سفينة غصبًا. فإرادة الله القادر على صرف نظر الحاكم عن السفينة أيسر من خرقها. وهداية الطفل إلى الخير أيسر من قتله، وحماية مال الأيتام أبناء الرجل الصالح بطريقة أخرى كان أيسر من إقامة جدار. فتتجلى لنا بوضوح رمزية هذه الأفعال.

فنقرأ في مستوى الدلالة الرمزية دلالات مغايرة، حيث احتمالية أن يكون المراد بخرق السفينة هنا هو دعوة لتجاوز ما هو عقلي لتصديق ما وراء العقل والطبيعة. وأن قتل الغلام هو دعوة لقتل النفس الأمارة بالسوء وحب الذات، وأن إقامة الحائط هي دعوة لتحصين المنح العقلية والمعرفة الإلهية من الناس حتى لا تتعرض للزوال بالحسد. والله تعالى أجل وأعلم.

قراءة نقدية في فن القصة (١٠)عنصر المفاجأة في القصص القرآني بقلم: مصطفى نصر
قراءة نقدية في فن القصة (١٠)
عنصر المفاجأة في القصص القرآني
بقلم: مصطفى نصر

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى