
زهور بلا شذى
كتبت: دعاء زيان
هل لجميع الزهور عبق ساحر؟
أم أن هناك زهور بلا شذى؟
هذا ما طرحته على نفسي وأنا أعاتبها ممسكة بخصلات ذات لون فضي
تسللت إلى منتصف شعري فاحم السواد وأنا في ربيع العمر.
ولدت قبل الأوان بشهرين وعدة أيام،
أسمتني أمي “وردة “
ولقبني كل جيراني “بحسناء الحي”
كانت معلمة اللغة العربية تقول وهي تتفحص قسمات وجهي ومقلتاها تلمعان:
وردة؛ ما أبدعك صغيرتي!
لقد أخذت من جمال النبي يوسف!
كنت أشعر بالزهو من ذلك التشبيه، عام يجر عام، حقد زميلاتي وغيرتهن يدعو للدهشة
أما عن الرجال
فالأعين تقول قبل الألسن، حدثت مشاجرات بين شابين في الحي بسببي
من منهم أولى بالحسناء للرفقة
غضب أبي لذلك
ثارت ثائرته زوجني وأنا ذات السادسة عشر ربيعا حتى يطمئن قلبه كما قال.
عقد القران على رجل يكبرني بثلاثين عام، يملك كثيرًا في خزانته وقليلًا في قلبه
كنت كتحفة فنية تزين منزله ذا الطراز الأوروبي العريق.
الليلة الأولى كالثلاثين كل شهر، الشهر الأول كالأخير كل عام، نعيش حياة جامدة خالية من العطف واللين
الأمر والنهي سياسته وأنا أسمع وأطيع دون حراك، ولو صمت أو استنكرت
خرجت الحروف من بين شفتيه كالصفعات فهو
لا يعترف بوجود رأي للنساء فنحن ناقصات العقل والدين.
ذهبت لوالدي باكية، قال غير مبالٍ:
عن أي غلظةٍ تتحدثين؟!
سكنتِ قصرًا لم تحلم بنات الوجهاء بسكناه، ولديك خادمة
طأطأت رأسي
تمعنت النظر في النقش على كوب الشاي الزجاجي رخيص الثمن الذي أحمله
وضعته بخفة في الصينية البلاستيكية بجواري على الطاولة الخشبية المربعة الصغيرة، رفعت رأسي مرة ثانية
درت بعيني في منزلنا كأني أراه للوهلة الأولى.
الشق الجانبي أعلى يمين الغرفة يكاد يقارب الشبرين
به يختبئ مفزع كل نساء الأرض المدعو بالبرص
بلاط الأرض به فراغات كبيرة تبتلع المياه عند التنظيف فلا نحتاج للتنشيف
نعم والدي محق، لا يوجد مجال للمقارنة.
عدت للمنزل وقد نزعت الفكرة العقيمة من رأسي
ليس لي حق الاعتراض يكفي أني أعيش في رخاء
انشغلت بالصغار فقد من الله علي بأربع عصافير مغردة في سبع سنوات، حلقوا فوق حياتي القاحلة.
بدون مقدمات أصيب زوجي بوعكة صحية أودت بحياته في أيام
لم يشتكِ من علة قط ولكنه سهم الموت يخترقك مهما حدث
بعد الدفن بدقائق سمعنا صخبًا عارمًا، بكاء وعويل يؤلم الآذان
دخل أبي مرهولا، همس في أذني أن أغادر فورا المقابر،
أبيت فسحبني من يدي عنوة، أدخلني السيارة، الصوت يرتفع
نساء وأطفال وشباب يصيحون في وجه والدي حاولت النزول، الباب موصد
انطلقت سيدة من عمر أمي نحوي، طرقت على السيارة طرقًا عنيفًا وهي تبرطم بألفاظ نابية، على اليسار تقف فتاة صغيرة تتشح السواد
بطنها كاملة الاستدارة يبدو أنها قاربت على الوضع، على بعد خطوات منها رجل تظهر بعض علامات الشيب
يبدو أنه يحاول حمايتها فقد كانوا ينظرون إليها بازدراء غريب.
فتح أبي باب السيارة، انطلق مسرعًا، حاولت أن أفهم ما الذي يحدث
كيف أن أغادر عزاء زوجي بتلك الطريقة العجيبة
ومن هم الغاضبون؟!
ومن تلك السيدة التي قاربت على تهشيم سقف السيارة ؟!
من تلك الفتاة التي تقف مهمشة؟!
صمت قليلًا، تدفق الدم لوجهه فكساه بالحمرة، أشاح بوجهه للجانب الآخر
قال بصوت مبحوح:
– إنهما زوجاته وأولاده.








