أدبي

فن العطاء

فن العطاء

بقلم: مروة حمدي 

عزيزي القارئ، هل بت ليلة تشكو لله غصة في قلبك وتسأل نفسك لقد فعلت كل ما في وسعك لإسعاد الآخر، ولماذا لم يقابل كل هذا العطاء بالعطاء أو في أبسط المواقف بالاحترام والتقدير والامتنان؟

يا عزيزي، دعني أقول لك من واقع تجربتي حديثة السن أزلية المدى أن السبب في كل ذلك هو أنت، نعم أنت الذي آثرت عليك غيرك، أنت الذي أفرطت في العطاء، تخيل معي إذا كان هناك كوب يتحمل قدر مائة مليمتر من الماء، وأنت تحاول أن تضع فيه مائتين ظنًا منك أنك تستطيع تغيير طبائع الأشياء لاستيعاب المزيد، ماذا سيحدث؟

نعم، سينسكب قدرٌ كبيرٌ من الماء دون استفادة، وسيرهقك تركيزك في محاولة إبقاء الماء في الكوب، وسيعتاد الكوب أنك ستأتي وتعوض ما تبخر منه أو ما انسكب، وإن لم تأتِ وتفعل كل ذلك حينها ستلامُ، تلك هي طبائع النفس البشرية، فتعال معي نخوض رحلة في التعرف إلى مفهوم العطاء وكيفية التوازن بين نفسك وما يطلبه منك الآخر.

في ثقافتنا العربية والتي أفتخر لانتمائي إليها، نجد أن الإيثار والتضحية من أجل الآخرين تجلب إلى نفوسنا شعور الرضا والفرحة عندما نشعر بأهمية تواجدنا مع الآخر، ومع أن هذه القيم نبيلة وتعكس سخاء الروح، إلا أنها قد تكون خطرة إذا لم يتم التعامل معها بحكمة، فالإفراط في العطاء على حساب النفس يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية على المدى الطويل.

في القرآن الكريم، يقول الله تعالى: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” سورة آل عمران الآية 92.

إن التضحية من أجل الآخرين تجلب الخير والبركة في الدنيا والآخرة، وتشعر الفرد بأهمية وجوده وترفع من استحقاقه لنفسه.

والعطاء ليس مقتصرًا على المال فقط، بل يشمل الوقت، والجهد، والعلم، والدعم المعنوي، فالابتسامة في وجه الآخر، والكلمة الطيبة، والمساعدة في المهام اليومية كلها أنواع من العطاء مرغوب فيها في جميع الأديان، وفي جميع أنواع العلاقات الإنسانية.

وعلى الرغم من فضائل العطاء، إلا أن هناك حذر من الإفراط فيه على حساب النفس؛ فالقرآن الكريم يوضح لنا المنهاج لذلك حيث قال الله تعالى:

“ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا” سورة الإسراء، الآية 29.

هل لديك بعضًا من الوقت لتتذكر؟ تذكر كم مرة أعطيت دون مقابل؟ واستمررت في العطاء بكل ما أوتيت من قوة، أعطيت من قلبك منتظرًا كلمة شكر وامتنان ولم تأت، فقد اعتاد الآخرون منك العطاء، وكما نقول في المثل المصري رفع سقف التوقعات، فأصبح ما تفعله من تضحيات بالنسبة للطرف الآخر واجبًا حتميًّا إن قصرت فيه تُلام.

ويمكن التعرض إلى الاستغلال لعدم معرفتك الجيدة بطبائع النفس البشرية، ففي هذه الحالة نظرتك للآخر كنظرة حب غزال لأسد تظن أنه نباتي مثلها ويرتضي بالعشب الأخضر، فتسرع إليه لتعطيه مما تملك ولا تعرف المصير الحتمي لها؛ لذا تقتضي الحكمة هنا أن ننزل بورق الحائط، لا تضحك يا عزيزي على مصطلحاتي، نعم أنزل الناس منازلهم، من يقدر وجودك قدر وجوده، من يمنحك السعادة امنحه السعادة دون إفراط وتقريظ، أي بمثل ما أخذت أعط، كن سخيًّا في كل شيء إلا مشاعرك الإنسانية أو كن مستعدًا لمزيد من الإرهاق والاستنزاف الناتج عن الإعطاء المفرط.

وتكمن حقيقة العطاء -إن كانت الحقيقة مطلقة- هي أننا لا نستطيع إسعاد الآخرين إلا إذا كنا في حالة جيدة نفسيًّا وعاطفيًّا، فعندما نهمل احتياجاتنا الخاصة ونركز فقط على إرضاء الآخرين ونقلل من تقدير ذواتنا واستحقاق أنفسنا فإننا نخاطر بأن ينتهي بنا الأمر إلى المعاناة في حياتنا اليومية مع كل موقف يقابلنا، لأنه رغم تغير وجوه الأشخاص لكن تعاملنا واحد، ليس هذا فحسب بل أيضًا نحصد فقدان الهوية فبينما نحاول جاهدين لإرضاء الآخر لربما بتغيير أنفسنا لما يحبون فنصبح نسخة لا نعرفها منّا أنفسنا، وينتهي بنا أيضًا الحال إلى شعورنا بالاستغلال، وفي المقابل، عندما نتعلم كيف نقدر أنفسنا أولًا ونضع حدودًا صحية في علاقاتنا، فإننا سنتمكن حينها من المساهمة بشكل أكثر توازنًا وفاعلية في حياتنا.

أولًا ومجملًا وتفصيلًا، المفتاح أنت، وكلمة في أذنك وياليتك تعيها جيدًا:

اعرف نفسك تعرف العالم، العطاء والإيثار من القيم الإنسانية التي تسهم في إسعاد الآخرين وتلبية احتياجاتهم، ومع ذلك، يجب الحفاظ على خلق توازن دقيق بين الاهتمام بالنفس والاهتمام بالآخرين، ليس فقط من أجل سعادة نفسك بل والآخرين أيضًا، وأخيرًا ضع بصمتك في لوحات الآخرين بقدر ما يحتاجون وليس بقدر ما يريدون، افعل ذلك دون أن تغفل لوحتك الفنية فأنت وحدك رسامها لذا ارسمها بفن.

#بقلم رصاص

#مروة حمدي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي