تعلمنا الحياة كل يوم دروسًا جديدة، دروس في أشياء لا نفقهها، ودروس في حياتنا، وإن كل يوم نجد فيه ما لم يُستطَب من الآلام، تعطيك لكمات بقوة، ولكن تعلمك كيف تلكم -وخاصة تلكمها- وكما أن لك فعليك، حقوق وواجبات هي، ولكي تعلم بأن على قدر الأخذ يكون العطاء، ستمد الدنيا يدها لتعطيك ريثما تريد، ثم تودعك ريثما تريد، هي الحياة وما دامت لأحد، وما دائم إلا وجه الله.
صارع، حارب، نازل، اقتل اليأس، أنت على جبهتك -وإن كنت بمفردكـ فعلى الأقل أنت تجابه بشرف ونبل، وإن كانت حروب الحياة نفسها غير شريفة ونبيلة، فها أنت هنا تخسر لكي تكسب، تصارع لتسلم، تصرخ لتهدأ، هي مرادفات وبضدها تتميز الأشياء.
هل شعرت مرة بأن حياتك تنتقم من حياتك؟
هل جربت مرة أن ترى براثن الحياة في جسد حياتك التي تعيشها؟
وكيف لا؟ إنها الحياة وهي عنيفة، أفتضجر من حياتك وحياتك ملأى بحياة العامة؟
لئن شعرت أو لم تشعر لن يغير ذلك من الأمر شيئًا، فستظلان في حلبة مصارعة تهاجمان بعضهما البعض، إحداهما تهاجم والأخرى تدافع، فتدافع الأولى وتهاجم الثانية، وكأنما أردت قتل نفسك بنفسك، فتلكُم تلكِم الملامح أو مرآتك بيديك، فتكسر أنفَك والذي لم ينفْكّ جزءًا من وجهك، أترى بعينيك نظرة التحدي التي تعلنها حياتك أمام حياتك، فتذعن حياتك مستسلمة أمام حياتك.
إن الدنيا تفتننا بأوراحنا، لكي نجري ونهلع هرولةً وراء ملاذِها، وننسى ملاذَها، ننسى أننا إن جابهنا ونازلنا فإنما هي الدنيا، وليس للدنيا بقاء، فإن اضطررت للمجابهة، فجابه بشرف ونزاهة.
هل تضمن الدقيقة القادمة؟ هل ستكون حيًّا أم ميتًا؟
حارب، الحرب تحسم أهدافك، ولكن كن على علم بأي حرب أنت تشنها!! حارب ولا ترفع الراية البيضاء مهما شعرت بالهزيمة، لكن أيضًا اعلم أين هي جبهتك، وأين تحارب، ولأجل من، وكم معداتك، فليس من المعقول أن تحارب على جبهة أعدائك ضد نفسك، حارب ولا تتوقع الانتصار في أول معركة، حارب ولكن لابد من تحديد الاستراتيجيات، حارب ولكن احسم موقفك قبلها، حارب ولا تجعل الهزيمة مألوفة، حارب ولكن عدد أسلحتك واجمع ذخيرتك ودرب جنودك وضع النصر نصب عينيك، حارب واعلم ماذا ستكسب إن انتصرت، وماذا ستخسر إن هُزمت، حارب، ولا تستسلم، حارب فلا تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرضٍ تموت، حارب وكن موقنًا بأنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، حارب بشرف ونزاهة وضع الله أمام أعينك.
حارب ولكن ارض بما قسمه الله لك فقد قال الله ـ تعالى – في حديثه القدسي:
كلا والله، فهناك حروب أكبر وأعظم تسليحًا، حارب وإن كانت حربك باردة، فأحيانًا الحروب تكون فكرية، وليست دموية، حارب لأجل من تحب وما تحب، حارب فوالله إن الدنيا حرب ليس بها سلام أو هدنة، فما تؤخذ الدنيا إلا غلابًا!