مقالات متنوعة
أخر الأخبار

الفرص الضائعة

بقلم: طلعت عبدالرحيم

على مر الأيام والسنين، قد تمر على الإنسان أحداث قد لايعي الحكمة منها في بادئ الأمر لأنه لا يعرف ما في المستقبل أو قاصر الإدراك، أو لعله يكون طيب ومسالم لا يضمر شر لأي شخص، فالإنسان يولد بريئًا منفتح متطلع للحياة، محب لكل رموزها ومجرياتها، يبتسم لأي حدث مهما كان صغيرًا في نظر الكبار، وذلك لخلو قلبه من الهموم والأحقاد. 

ويكبر الإنسان تدريجيًا وتمر عليه لحظات اختيار وقد تتاح له فرصة ولكن قد لا يحالفه الحظ فيتركها ويسير في طريق مرسوم من هواجس الأصدقاء أو الأهل في الخفاء، فيمضي مبتسمًا بما ناله ويكرس أيامه في رضاه، ومهما تزداد الأيام قساوة ولكن له عزيمة تنهزم أمامها الأيام وتتحطم لها الجبال كي يكون إنسان يحسب له خلانه ألف حساب، ويكون ذا هيبة وعز ورخاء، يكابد الأيام ويعالج الجروح ويبتلع الصدمات ولا يكل أو يمل من مآسي أهل السوء المطاردين له في الخفاء، وكلما خطى للأمام ورفعه الله درجة يجدهم اشتاطوا غيظًا وازدادوا حقدًا وتفننوا في رسم العراقيل بكل دهاء.

وأنا مازلت في طريقي لا أدري بما يحاك، ولكني أعلم أن الله بيده كل الأمور ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا،

أيام وسنين تمر كانت أسعد وأجمل حياة، الكل من حولنا كانوا يقلدون كل خطواتنا، ويتبنون منا الأفعال والأقوال والمشاعر الرهفاء، بينما الحاقدون يمكرون حقدًا في السر والخفاء، حياتنا كانت شمعة منيرة لكل من حولنا، وأفكارنا سابقة الزمان، نسرع بأمر الله في خطاوينا للمجد والعز والهناء، وتزداد المكائد ونتجاهلها بكل إصرار وعناد لأننا ننظر للأمام، ونبني لا نريد الهدم والشقاء، رسمت طوقًا من حولي صعب الاختراق من أجل أن أحمي حياتي من عبس الأشقياء، إلا وانفك الطوق بغير قصد لأن الأيام أصبحت رخاء والعمر مرت أيامه، فلا أحد يريد الطعن في الخفاء.

وكانت أول حلقات الغدر لهدم الحياة حينما خدعوا أصهارنا بالكلام ووسوسة الشيطان، أصهارنا من لا يعرفون خبث الخبائث فانساقوا وراءهم في الإرضاء وسمعوا لهم وصاروا جند لحياتنا يزرعون الشقاء،

فازداد الكيد من المحيطين ومن داخل الوحوش بسخاء.

صرخت بالله أن يواسينا فكل شيء بدأ في الانهيار، فلذاتنا وأسهارنا صارت لحياتنا أشد عداء، كيف ونحن نبني لهم صروح العز والمجد فاستغلوهم الجهلاء ليعبثوا في عقولهم بأفكار هدم وزينوها لهم بكل دهاء، وتم إقناعهم بأنهم هم من يحق لهم الوعظ والإرشاد والثناء.

ومن هنا بدأ كل شيء يتبعثر في جميع الأنحاء، فعجزت أن أضعه في سلة واحدة، أو أن أجمع ما بين الفرقاء، فحينما يفقد الحب معنى الطهارة والصفاء ليصبح سلعة رخيصة متداولة تتقاذفها الألسن بدوافع دنيوية وغرائز شهوانية فيكون أصعب شعور حينما تشعر بالوحدة على الرغم من كثرة المحيطين بك، وحينما تعطي وتمنح وتضحي وتحب ولكن في النهاية تقابل بالإساءة، حينما تريد الصراخ والبكاء ولكن محاجر عينيك قد جفت ولسانك قد شل، حينما تتلعثم في الكلام ويقف قلبك عن الخفقان، عندما يخنق القدر كل أمل لديك ويكسر كل مجاديف النجاة لتغرق في بحر من الضياع، حينما تنحدر الدموع من عينيك، دموع الألم والظلم ودموع البراءة والطهر، ليس لشيء سوى قسوة الأيام، حينما تشعر بغربة المشاعر التي هي أقسى وأشد من غربة الوطن، حينما تدرك أنّ هذه الحياة ليست سوى لعبة. 

إنّ في الحياة ألمًا كبيرًا، وإنّ مسرات الحياة أكبر من ألمها، ولكن الحياة نفسها أكبر من كل ما فيها من الألم والسرور، من يفقد ثروة يفقد كثيرًا، ومن يفقد صديقًا يفقد أكثر، ومن يفقد الشجاعة يفقد كل شيء ولا لشيء إلا أنه أخفق في الاختيار ولكن فتلك هي الأقدار.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي