أدبي

الرحلات الخفيفة

إيما غيتوود

في صباح هادئ من عام 1955، كانت إيما غيتوود، امرأة في الـ67 من عمرها، تقف على عتبة باب بيتها في ولاية أوهايو.

نظرت إلى أبنائها وقالت ببساطة:

“سوف أذهب للتمشية قليلاً.”

لكن ما لم يعرفه أحد… أنها كانت على وشك أن تخطو أولى خطواتها في مغامرة ستغيّر تاريخ المشي لمسافات طويلة إلى الأبد.

من دون أن تخبر أحدًا، انطلقت إيما في رحلة عبر ممر الآبالاش، أطول درب مشي في أمريكا، يمتد لأكثر من 3,200 كيلومتر من جورجيا إلى ماين، مارًّا بسلاسل جبلية وعواصف رعدية، وغابات موحشة، وأيام طويلة من الوحدة والصمت.

لا هاتف، لا GPS، لا خريطة، لا خيمة.

كل ما كانت تحمله:

كيس جينز قديم على كتفها

ستارة حمّام بلاستيكية تستخدمها وقت المطر

عصا مشي جمعتها من الطريق

وحذاء رياضي خفيف من نوع “كيدز”

لكن الأهم من كل ذلك… كانت تحمل قلبًا لا يعرف الانكسار، وذكريات من ماضٍ موجع:

نجت من زواج عن*يف، ربّت 11 طفلًا، وعاشت فقر الكساد الكبير.

عرفت عن الممر من خلال مقال في مجلة ناشيونال جيوغرافيك. قرأته بهدوء، ثم قالت في نفسها:

“أنا أستطيع فعل ذلك.”

وفعلت.

لم يصدقها أحد. الصحف قالت إنها ضاعت. الحراس نصحوها بالرجوع.

لكن “الجدّة غيتوود” – كما أطلقوا عليها لاحقًا – لم تلتفت للخوف أو الشك.

واصلت السير، ميلًا بعد ميل، يومًا بعد يوم، حتى وصلت إلى النهاية وحيدة، وفي موسم واحد فقط.

لكن هذا لم يكن كافيًا لها.

عادت في عام 1960، وسلكت الطريق من جديد.

ثم فعلتها مرة ثالثة في 1963، لتصبح أول شخص في التاريخ يكمل درب الآبالاش ثلاث مرات.

إيما لم تكن مجرّد امرأة تمشي…

كانت رمزًا للتحدّي، وصوتًا لكل من قيل له “أنت كبير، ضعيف، أو غير قادر”.

بخطواتها الهادئة، رسمت الدرب من جديد، وألهمت جيلًا كاملًا من المستكشفين، وأسست لما يُعرف اليوم بـ”الرحلات الخفيفة” قبل حتى أن يُخترع المصطلح.

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي