مقالات متنوعة
أخر الأخبار

حين تصبح الغربة قدرًا

 

كم هو صعبٌ أن ننسى الأزقة والطرقات التي احتضنت عبق الطفولة، وكم هو أشدّ قسوةً أن نتخيل الحياة بعيدًا عن الأهل وأصدقاء البدايات. كيف يعيش المغترب بعيدًا عن المدينة التي تربّى وكبر فيها، وكل ركنٍ من أركانها يشهد على لحظات لا تُنسى؟

 

لكن حين يعود المغترب، يعود غريبًا. يبحث عن الوجوه التي أحبها، فلا يجدها؛ فمنهم من رحل، ومنهم من لم يعد يتذكّره. حتى البيت الذي نشأ فيه ربما لم يعد له، والمنزل نُهب، والأموال سُرقت، والذكريات طُمست.

 

جيلٌ يُهاجر بحثًا عن الحياة، بعد أن غابت الحياة في الوطن. شبابٌ يحلمون بالتغيير، لكنهم يُطاردون في أوطانهم بالغربة، والإقصاء، والإحباط. يهربون من واقعٍ مريرٍ يخنق الطموح، ويُجهض الأحلام، ويُسكت الأصوات. بطالة، فقر، تهميش، قمع… واقعٌ جعل الشباب فريسةً للضياع، يتأرجحون بين السلبية والعنف، وبين الهروب والاغتراب الذاتي.

 

 

في أوطانهم، يعيشون حالة غربة، تملأها الفراغات، وتُحاصرها القيود، فيبقون عالقين بين ذكريات الوطن وآمال الرفاهية في بلادٍ أخرى، ولو كلفهم ذلك البدء من الصفر.

 

مصير الشباب العربي؟ مجهول. مستقبلهم مهدد، وواقعهم ينهش أرواحهم. فيركبون الموج، يخوضون البحار، يتركون الأحبة خلفهم، بحثًا عن فرصةٍ تُنقذ ما تبقى من إنسانيتهم. يواجهون الموت في كل لحظة، لكنهم يختارونه على أن يموتوا ببطء في أوطانهم.

 

كيف يُجبر طفل لم يبلغ السادسة عشرة على مغادرة أهله؟ كيف تقف الأم عاجزةً عن منعه من الرحيل؟ كيف تُنسف الأحلام، وتنهار العلاقات، وتغدو ذكريات الطفولة مجرد نظرات وداع؟ وكيف تكبر طفلة بلا أب، لا تتذكر منه سوى مشهد الرحيل الأخير؟

 

هكذا يتركنا الوطن. وهكذا نتركه، مكرهين.

 

الغربة ليست فقط فراق الأرض، بل اغتيال الروح. الغربة أن تبحث في الوجوه فلا ترى من يفهمك، أن تُنادي بلغتك فلا يجيبك أحد، أن تنتمي لمكان لا يمنحك شيئًا سوى الوجع.

 

متى نحظى بوطنٍ لا يُقصينا؟ متى نجد ذواتنا التي ضاعت في زحام القهر؟ ومتى ينتهي هذا الاغتراب الطويل، لنصحو من كابوسٍ لم نختره… لكنه اختارنا .

د. عبير جبر الأكوح

د. عبير جبر الأكوح، قائدة متميزة، تحمل بكالوريوس علوم عسكرية (1992) وبكالوريوس إدارة أعمال، إلى جانب دراسات متقدمة في القانون الدولي. تبوأت مناصب قيادية وأسست مؤسسات تعليمية وخيرية، وتشغل حالياً منصب المدير التنفيذي لمؤسسة "الأيدي الرحيمة" في المنطقة الشرقية بليبيا. لديها خبرة في الاستثمار العقاري وتحمل رخصًا مهنية من مصر وليبيا، كما أنها عضوة نشطة في مركز كيمت للتحكيم. شاركت في مؤتمرات دولية وإقليمية كبرى، أبرزها فعاليات جامعة الدول العربية ويوم القانون العالمي. تهتم بقضايا تمكين المرأة، وتمارس هوايات متنوعة تشمل الكتابة والرماية وركوب الخيل، ما يعكس شخصيتها المتكاملة والثرية. محررة صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي