أدبيثقافةمقالات متنوعةنثر

ملامح الدفء وذاكرة الحكايات _ بقلم أسماء سعد

ملامح الدفء وذاكرة الحكايات

بقلم: أسماء سعد فايد

 

في كل بيت، هناك قلب نابض بالذكريات، وجه رسم الزمن على ملامحه خطوطًا دقيقة كخريطةٍ تحكي عن رحلات العمر، وعينان تشعّان ببريقٍ هادئ كأنه ضوء الغروب… أولئك هم كبار السن، من حملوا على أكتافهم أعباء الأيام، ومضوا يزرعون الحب في طرقات الحياة، ويتركون أثرًا لا يمحوه النسيان.

كانوا في الماضي عماد الأسرة، وصوتها العاقل، وحكمتها التي تهدّئ الخلاف، وتجمع القلوب حول مائدة واحدة. لم تكن الكلمة تُتَّخذ إلا بعد مشورتهم، ولم يكن البيت بيتًا بلا وجودهم. كانت أحاديثهم في السهرات دفئًا، ونظراتهم سندًا، وابتساماتهم ملاذًا من قسوة الحياة.

لكن العصر تغيّر. صارت الأيام أسرع من أن تلتفت، وصار الناس مشغولين حتى عن أنفسهم، وابتعدت بعض الأسر عن ذلك الدفء القديم. كثير من المسنين اليوم يعيشون على أطراف المشهد، كأنهم لم يعودوا في صميم الحكاية. التكنولوجيا التي قرّبت المسافات بين المدن، أحيانًا تبني جدرانًا صامتة بين أفراد العائلة نفسها، فيجلس المسنّ في زاوية الغرفة يستمع إلى أصوات الضحكات التي تمر بجانبه لكنها لا تصل إلى قلبه.

تحديات هذا الزمن عليهم كثيرة:

العزلة التي تجعل النهار طويلاً والليل أطول.

الحنين الذي يزورهم فجأة، حين تذكرهم أغنية قديمة أو رائحة طعام بطبقٍ كانت أمهاتهم تطبخه.

الضعف الجسدي الذي يجعل خطواتهم أبطأ، لكنه لا يطفئ في داخلهم قوة الروح.

ورغم ذلك، فإنهم يملكون شيئًا لا تمنحه السنوات إلا للقليل: الحكمة؛ الحكمة التي تجعلهم يرون الأمور أوسع مما نراها نحن، ويغفرون ما نظنه غير قابل للمغفرة، ويضحكون على ما نراه نحن معضلات الحياة.

التعامل معهم ليس مجرد التزام أخلاقي أو واجب اجتماعي، بل هو فن إنساني نبيل. يبدأ هذا الفن بالاحترام، ويزهر بالاستماع. حين تجلس أمام مسن وتدع الوقت يبطئ خطواته، وتستمع إلى حكايته حتى آخر كلمة، فإنك تمنحه حياة إضافية، وتكتشف أنك أنت المستفيد الأكبر.

أشركهم في تفاصيل حياتك، حتى ولو بسؤال صغير عن رأيهم. ادعهم لمائدة الطعام، لا ليأكلوا فقط، بل ليشعروا أنهم ما زالوا أصحاب البيت. احرص أن تلمس أيديهم بين حين وآخر، فهناك طمأنينة في تلك الأيدي الشاهدة على الزمن، طمأنينة لا تمنحها كل وسائل الراحة الحديثة.

وفي النهاية، تذكّر… نحن حين نحسن إلى كبارنا، فإننا نحسن إلى أنفسنا في المستقبل.

سيأتي يوم نجلس فيه نحن على مقعدهم، وننتظر من يلتفت إلينا، ويقول لنا: “حدثني… أريد أن أسمع حكايتك”.

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي