أدبيثقافةشعرمقالات متنوعة

سيزيف

"سيزيف" _ علي هنداوي _ بقلم مصطفى رياض

سيزيف

 علي هنداوي

بقلم: مصطفى رياض

 

سامحيني، وانْثُري فـَـوْقَ الرُّفَاتِ الْغَضِّ عِطْرًا
ضَمِّخِينِي واغْفِري ما قَدْ جَنَي ماضِيَّ غَفْرًا
إِنَّ عَفْوًا مِنْكِ عَنْ ذَنـْـبٍ يُكَافِي العُمْرَ طُرَّا
كَمْ طَلَبْتُ مِنْكِ أنْ تُغـْـضِي عَنِ الزَّلَّاتِ عَُذْرَا
غَيْرَ أنِّي لَمْ أجِدْ إِلّا صُدُودًا زادَ إِصْرَا
فَعَجِبْتُ كَيْفَ لَمْ أعـْرِفْ لِدَاءِ الصَّدِّ وَجْرَا!
وَاصْطَبَرْتُ واللَّيالِي يَنْقَضِينَ وعِلْْتُ صَبْرَا
ما جَنَيْتُ غَيْرَ إِعـْـرَاضٍ عَنِ الْوَصْلِ اسْتَمَرَّا
وجَفَاءٍ كادَ مِنْ غُلـْـوَائِهِ يَقْصِمُ ظَهْرَا
مِنْ طِلَابِ الصَّفْح أصْبَحـْـتُ كأنِّي لُكْتُ جَمْرَا
لَفْحُهُ جافٍ كَوَانِي سَامَنِي كالصَّابِ مُرَّا
عادَ بِي مِنْ أوَّلِ الْعَهـْـدِ كَمَا عاوَدْتُ ذِكْرَى
شَأْنُ مَنْ كُلِّفَ فَوْقَ الطـَّْوْقِ أنْ يَدْفَعَ صَخْرَا
مِنْ ذَرَا قُنَّةٍ نِيقٍ لِفُنُونٍ لَيْسَ تُدْرَى
فَإِذَا تَبْلُغُ سَفْحًا عادَ مَرَّاتٍ وكَرَّا
مِثْلَمَا تُحْكَي أساطِيــرٌ لإِغْرِيقٍ لتُقْرَا

قَدْ زَرَى بَأْسًا كَأَنْ حَطـَّـمَ بِالْمَكْلُومِ فِقْرَا
وكَذَا الدُّنْيَا تُعَنِّي فِي هَوَاهَا مَنْ أبَرَّا
صَدَقَ الْوَعْدَ فأوْفَى ما تَخَطَّى الْعَدْلَ شِبْرَا
فَجَعَتْ نَفْسِيَ صَدْماَتٌ غِلَاظٌ كُنَّ عُسْرَا
عِشْتُهَا كابُوسَ لَيْلٍ كالِحٍ قَدْ دامَ دَهْرَا
آهِ مِنْ تَنْغِيصِ أحـْـلامٍ رِهَافٍ حُلْنَ هَرَّا
فِي وَجِيبِ الْقَلْبِ تَبْكِـينِي مِنَ اللَّأوَاءِ قَهْرَا
خاصَمَ الْإِغْماضُ هُدْبًا ناعِمًا ألَّا يَقَرَّا
والْجُفُونُ الْوَادِعَاتُ فِي جَمَامٍ ما اسْتَقَرَّا
صِرْنَ زُرْقًا مِنْ سُهَادٍ والْعُيُونُ القُرُّ حُمْرَا
فانْقَضَتْ راحَةُ نَفْسِي مِنْ قُنُوطٍ راحَ يَضْرَى
وذَوَى الشَّوْقُ فأمْسَى زُهْدَ نَفْسٍ ضاعَ صَبْرَا
أتْفَدَتْ ما أبْقَتِ الْأيـَّـامُ مِنْ دَرٍّ تَصَرَّى
واسْتَحَال النُّورُ ظُلْماتٍ بَلَيْلٍ فاتَ بَدْرَا
كانَ يَرْجُوهُ رَفِيقًا فِي رَحِيلٍ دامَ عُمْرَا
يَمْسَحُ الدَّمْعَةَ تَجْرِي مِنْ عَلِيلٍ تاقَ يَبْرَا
بَعْدَ أنْ بَرَّحَ آلَامــٌــ بِهِ تَغْشَاهُ تَتْرَى
جَشَّمَتْهُ سُهْدَ لَيْلٍ عادِمًا فِي الدَّجْنِ مَسْرَى
فَيُسَلِّي وَحْشَة قَدْ حَمَّلَتْهُ ما أمَرَّا
مُدْنَفًا قَدْ صارَعَ الْمـَـوْجَ يُمَنِّي النَّفْسَ بَرَّا
تَتَرَامَانِي فُيُوضٌ جائِشَاتٌ هِجْنَ بَحْرَا
يَتَلَاطَمْنَ بِشَطٍّ قَبْلَ أنْ يَبْلَى ويَعْرَى
لَيْسَ بَعْدَ الرَّبِّ في الْكـَـوْنِ لِمَنْ رَامَ الْمَفَرَّا
رَبِّ هَوِّنْ مِنْ جَوَى الْعـَـاني وسَانِدْهُ وسُرَّا
لَسْتُ دُونَ الْأَيْدِ مِنْكُمْ أَبْتَغِي لِلْكَسْرِ جَبْرَا
ما عَهِدْنَا دُونَ عَطْفٍ مِنْكَ مَنْ أرْحَبُ صَدْرَا
فَارْعَ بِالْإحْسَانِ عَبْدًا أوْدَعَ التَّحْنَانَ سِرَّا
آبَ بِالتَّوْبِ وَأَوْفَى عَهْدَهُ دَوْمًا وبَرًّا
مُنَّ بِالْخُلْدِ مَلَاذًا لِشَقِيِّ عَلَّ يَمْرَا
وَتَعَهَّدْهُ بِجُودٍ مِنْكَ يَحْبُوهُ فيَقْرا.

*******

تستلهم قصيدة  دكتور علي هنداوي، بكل ما تحمله من عذابٍ وألم، أسطورة سيزيف الإغريقية لتجسد مأساة تشيع فيها حالة من اليأس والعبث.

وسيزيف، لمن لا يعرفونه، هو الملك الأسطوري الذي عاقبته الآلهة بعذابٍ أبدي تمثَّل في دفع صخرة ضخمة إلى قمة تل. وكلما وصل إلى القمة، تدحرجت الصخرة مرة أخرى إلى الأسفل، ليُعيد سيزيف المحاولة الشاقة نفسها مرارًا وتكرارًا. وصار هذا العذاب يرمز إلى العمل الشاق الذي لا طائل منه، وإلى الأمل الذي يتحطم دائمًا ليُولد من جديد لكي يتحطم مرة أخرى.

تتشابك معاناة الشاعر في قصيدة علي هنداوي؛ على الأقل على المستوى الظاهر، مع تجربة عاطفية لم تكتمل وتتجلى أوجه التشابه بينهما في عدة نقاط محورية. ففي أسطورة سيزيف، تمثل الصخرة العذاب الأبدي الذي لا ينتهي، بينما ترمز قمة التل إلى الأمل الزائف بنهاية هذا العذاب. يتشابه هذا المشهد مع معاناة الشاعر، حيث يرمز طلب العفو والمغفرة إلى تلك الصخرة الثقيلة. يقول الشاعر: “مِنْ طِلَابِ الصَّفْح أصْبَحـْـتُ كأنِّي لُكْتُ جَمْرَا”، في إشارة إلى الألم الشديد والمحاولات المضنية التي لا تُجدي نفعًا.

أما أمل الشاعر في قبول عذره، “كَمْ طَلَبْتُ مِنْكِ أنْ تُغـْـضِي عَنِ الزَّلَّاتِ عُذْرَا”، فهو بمثابة قمة التل التي يرجوها، ولكنه سرعان ما يتبدد. وبقدر ما كانت الصخرة تتدحرج من القمة، كان عذاب سيزيف يتجدد. يعكس الشاعر هذا الشعور بالعودة إلى نقطة البداية، “عادَ بِي مِنْ أوَّلِ الْعَهـْـدِ كَمَا عاوَدْتُ ذِكْرَى”. فكل محاولة للحصول على الصفح تقابل بالصدود، مما يجعله يبدأ من جديد في دورة لا تنتهي من الألم. هذا التكرار يقود إلى شعور عميق باليأس، حيث يصف الشاعر حالته بـ“فَجَعَتْ نَفْسِيَ صَدْمَاتٌ غِلَاظٌ كُنَّ عُسْرَا”، وهو ما يشبه عبثية محاولات سيزيف. تتجسد هذه المعاناة في شعور الشاعر بأن عذابه أبدي، فيقول: “كَابُوسَ لَيْلٍ كَالِحٍ قَدْ دَامَ دَهْرَا”، مؤكدًا بذلك استمرار العذاب الذي يُضنيه.

والقصيدة تحمل أيضًا أبعادًا رمزية غنية تسمح بتأويلها على مستويات فلسفية، واجتماعية، وروحية. إن استحضار الشاعر لأسطورة سيزيف يفتح الباب أمام هذه التفسيرات، ويحول معاناته الشخصية إلى معاناة إنسانية أوسع.

فعلى المستوى الفلسفي تبرز فكرة العبثية. فكما يرى الفيلسوف ألبير كامو في أسطورة سيزيف رمزًا لحالة الإنسان في عالم عبثي، حيث يتكرر العمل الشاق دون غاية نهائية، يمكن قراءة معاناة الشاعر على أنها تجسيد لهذا العبث. إن سعيه المتكرر والميؤوس منه للحصول على العفو والمصالحة، “مِنْ طِلَابِ الصَّفْح أصْبَحْـتُ كأنِّي لُكْتُ جَمْرَا”، هو أشبه بمحاولة الإنسان في العصر الحديث لإيجاد معنى في حياة تبدو خالية منه. الصخرة هنا لا تقتصر على رفض الحبيبة فقط، بل هي الوجود نفسه الذي يفرض على الإنسان ألمًا متصلًا، يكرر فيه محاولاته ويواجه الخيبة نفسها، ولكنه لا يستسلم لليأس أبدًا، فكامو يقول إن سيزيف ينبغي أن يقبل قدره وأن يكون سعيدًا.

ويمكن تأويل معاناة الشاعر على أنها انعكاس لحالة مجتمعية أوسع. فالصدود والجفاء الذي يلقاه من الحبيبة قد يرمز إلى خذلان الواقع السياسي والاجتماعي. فبشكل مشابه لشعراء الحداثة العرب، قد يكون الشاعر هنا يعبّر عن خيبة أمل جيل كامل سعى لتحقيق تغيير أو إصلاح، ليجد جهوده تذهب سدى.

الصخرة في هذا السياق هي أحلام التغيير التي يدفعها المثقف أو الثائر، ولكنها تتدحرج كل مرة بفعل قوى القمع أو الواقع الراكد. وهذا ما يبرر شعوره بالضيق والألم الذي يصفه بقوله: “فَجَعَتْ نَفْسِيَ صَدْمَاتٌ غِلَاظٌ كُنَّ عُسْرَا”.

كذلك فعلى الرغم من أن القصيدة تبدأ بعاطفة شخصية، إلا أن نهايتها تأخذ منحى روحيًا صوفيًا. فبعد أن يدرك الشاعر عبثية محاولاته مع محبوبته الأرضية، يتوجه إلى الخالق. هذا التحول من الحب المجازي إلى الحب الحقيقي يُعَّدُ جوهر الفكر الصوفي. يصبح العذاب الذي عاشه الشاعر، والمتمثل في صخرة سيزيف، وسيلة لتطهير النفس والاقتراب من الله، وليس عقابًا. ينتهي الشاعر بطلب العون من الله، “رَبِّ هَوِّنْ مِنْ جَوَى الْعَـاني وسَانِدْهُ وسُرَّا”، ليجد في الله الملاذ الأخير بعد أن يجد كل محاولاته مع البشر عبثًا. وبهذا، يتحول ألم العشق إلى رحلة روحية، ويتحول سيزيف من شخص معاقب إلى سالك في طريق العرفان الإلهي.

إن قراءة قصيدة الدكتور علي هنداوي من خلال عدسة أسطورة سيزيف لا تقتصر على تحليل تجربة عاطفية فاشلة فحسب، بل هي نافذة تطل على عوالم أعمق وأشمل؛ فكما رأينا، تتداخل مستويات المعنى في النص لتنتقل من الألم الشخصي إلى الرمزية الوجودية والفلسفية، مرورًا بالنقد الاجتماعي وصولًا إلى البُعد الروحي الصوفي. لقد استطاع الشاعر ببراعة أن يحوّل “صخرته” الخاصة، وهي ألم العشق والصدود، إلى صخرة إنسانية جامعة تحمل عبثية الوجود، وخيبة الأمل في الواقع، وأخيرًا، أمل الخلاص في رحاب الخالق.

وفي النهاية، تظل أسطورة سيزيف في قصيدة هنداوي رمزًا لتلك الدورة الأبدية من الجهد، الأمل  والخيبة، لكنها تحمل في طياتها دعوة للتأمل في جوهر المعاناة الإنسانية. فربما لا يكمن الخلاص في الوصول إلى قمة التل، بل في قبول الصخرة، وفي تحويل هذا العذاب إلى رحلة بحث عن معنى أسمى، سواء كان ذلك المعنى في التمسك بالأمل رغم اليأس، أو في إيجاد السلوى في الاتصال الروحي. فهل يمكننا القول أنَّ سيزيف هنداوي لم يكن محكومًا عليه بالشقاء الأبدي، بل كان في طريقه إلى الخلاص؟

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي