مقالات متنوعة
أخر الأخبار

وهم السفر والحقيقة الغائبة

وهم السفر والحقيقة الغائبة

 

كتب: د. أحمد النجار

 

يعيش كثير من شبابنا اليوم وهمًا كبيرًا، يتخيلون أن السفر إلى الخارج هو الحل السحري لكل مشكلاتهم، وأن أبواب الرزق والنجاح لن تُفتح إلا إذا تركوا وطنهم.

والحقيقة أن الرزق بيد الله، لا تحده حدود ولا يرتبط بجنسية، كما قال تعالى:

﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾

[هود: 6].

 

لقد عَلّمَتْكَ مصر، وصنعت منك ما أنت عليه، فلا تجعلها مجرد محطة انتظار. النجاح لا تصنعه الطائرات، بل يصنعه العمل والإخلاص أينما كنت.

والسؤال الصادق..

لماذا لا نبني وطننا بدلًا من أن نهجره؟

إلى كل شاب واهم.. سواء كنت طبيبًا أو مهندسًا أو مبرمجًا أو محاسبًا أو مدرسًا أو تحمل اى شهادة من الشهادات العليا.. وتجلس مترقبًا الفرصة التي تنقلك خارج مصر، متخيلًا أن كل الدول تنتظرك بفارغ الصبر، وأنك ستقدم ما لم يقدمه غيرك من الجنسيات الأخرى، أقول لك بكل صدق..  أنت واهم.

 

الرزق لا يرتبط بمكان، ولا يحدّه وطن أو حدود سياسية، بل هو بيد الله -سبحانه وتعالى- الذي قال:

﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾

[هود: 6].

فالرزق الذي كتبه الله لك ستأخذه سواء في مصر أو في أي دولة أخرى، فلا تحمل الأمر أكبر مما يحتمل.

 

ثم لا تنسَ أن مصر التي وُلدت فيها هي التي علمتك وخرجت منك هذا الطبيب أو المهندس أو العالم أو المبدع. وأساتذتها الذين أفنوا أعمارهم في التعليم والتربية كانوا سببًا في أن تصل إلى ما وصلت إليه.

أليس من الواجب رد الجميل؟ أليس من الوفاء أن تبذل علمك وجهدك أولًا في وطنك، الذي أنفق عليك في مدارسها وجامعاتها ومستشفياتها؟

 

الغريب أن بعض المصريين الذين تعلموا في وطنهم ثم غادروه، أصبحوا اليوم يقدّمون النصائح للشباب بضرورة السفر وترك مصر، ويعقدون لقاءات ودورات تزرع في عقولهم أن الحل في الهروب إلى الخارج.

والحقيقة أن هذا غير مقبول؛ فالأولى بهم أن يكونوا داعمين لوطنهم، ناقلين لخبراتهم، ومشجعين الشباب على النجاح داخل مصر قبل التفكير في مغادرتها.

 

والحقيقة أن النجاح لا يتوقف على المكان، وإنما على الجد والاجتهاد. فكم من شاب سافر ولم يجد ما كان يتوهمه من مجد أو مال، وكم من شاب بقي في مصر، وصبر وثابر، وفتح الله له من أبواب الرزق ما لم يكن في الحسبان.

 

إن الهجرة ليست حرامًا، والسفر ليس مذمومًا في ذاته، ولكن المذموم هو الوهم الذي يسيطر على عقول بعض الشباب، ويجعلهم يظنون أن الحل السحري لكل مشكلاتهم هو تذكرة طيران إلى الخارج.

بينما الطريق الحقيقي يبدأ من داخلنا، من تغيير ثقافتنا، من إتقان عملنا، من إخلاصنا فيما نقوم به، كما قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾

[التوبة: 120]

 

لكن بالمقابل، فالدولة أيضًا عليها واجب عظيم تجاه شبابها، إذ لا يكفي أن نطالبهم بالبقاء والعمل والإبداع داخل الوطن، من دون أن نوفر لهم البيئة الحقيقية التي تحتضن قدراتهم وتستثمر طاقاتهم.

فالشباب هو الثروة الحقيقية لأي أمة، وإذا لم يجد في وطنه فرصة عمل كريمة، أو بيئة علمية وبحثية، أو مناخًا يدفعه للإبداع، فسوف تظل الهجرة حلمًا يتسلل إلى عقله وقلبه.

 

إن مسؤولية الدولة تتمثل في:

 • توفير فرص عمل حقيقية للشباب في تخصصاتهم، بما يليق بما درسوه وتعلموه.

 • الاستثمار في البحث العلمي ودعم المبدعين والباحثين، بدلًا من أن يهاجروا حاملين عقولهم إلى الخارج.

 • بناء اقتصاد قوي يفتح المجال للمبادرات والمشروعات الناشئة، خاصة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

 • تحفيز الكفاءات وربط التعليم بسوق العمل، حتى يشعر الشاب أن تعبه لن يضيع، وأن هناك مستقبلًا ينتظره داخل وطنه.

 

وبهذا يتحقق التوازن، شبابٌ يعمل ويجتهد ويبني وطنه بإخلاص، ودولةٌ تحتضن أبناءها وتستثمر في عقولهم، فتحوّل أحلامهم إلى إنجازات على أرض الواقع.

 

فلنؤمن أن مصر ليست محطة انتظار، وإنما هي وطن، والوطن لا يبنيه الغرباء، بل يبنيه أبناؤه. فلنجعل من مصر أرضًا للنجاح كما جعلها أجدادنا عبر آلاف السنين مهدًا للحضارة والعلم والإبداع.

 

فالوطن لا يُبنى بالكلمات وحدها، بل بتكامل الجهود: 

إرادة الشباب + إرادة الدولة = نهضة مصر الحقيقية.

 

 

 

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي