أدبيثقافةمقالات متنوعة

بين المهارة والفن : “رحلة القارئ من الآلية والإبداع”

بين المهارة والفن : “رحلة القارئ من الآلية والإبداع”

بقلم: مروة حمدي

 

القراءةُ ليست فعلًا عابرًا يقتصر على تعرّف الحروف وفكّ الرموز، بل هي تجربةٌ إنسانية متكاملة تَعبُر بالإنسان من ظاهر اللغة إلى أعماق الفكر.

إنّها فعل حياة، وممارسة تُعيد تشكيل الوعي، ونافذة مفتوحة على العالَم وعلى الذات في آن واحد. ومن هنا تأتي الأهمية في التمييز بين ما يُسمَّى بمهارات القراءة من جهة، وفن القراءة من جهة أخرى؛ فالأولى أدوات أساسية، أما الثانية فهي ارتقاء بالمهارة إلى مقام التذوّق والإبداع.

تشير دراسات في علوم التربية (Pressley, 2006) إلى أنّ تعليم القراءة في مراحله الأولى يركّز غالبًا على المهارات التقنية مثل: التعرّف إلى الكلمات، الطلاقة القرائية، الاستيعاب المباشر للنص، والتحليل المنطقي للأفكار. هذه المرحلة تُعَدّ القاعدة التي يقوم عليها البناء القرائي. فالقارئ الذي لم يتقن هذه المهارات سيظلُّ عاجزًا عن الولوج إلى مستويات أعمق، كما يؤكد عالم النفس التربوي “فيرنالد” أنّ الوعي الصوتي والقدرة على فهم البنية اللغوية هما الشرطان الأساسيان لكل ممارسة قرائية ناضجة.

لكن، حين نتحدث عن القراءة في بعدها الأوسع، فإننا ندخل فضاءً آخر يتجاوز الجانب الآلي. هنا تبدأ الفنّية: أن يصبح القارئ قادرًا على الإصغاء لنبض النص، وأن يستشعر جماليات اللغة، وأن يرى ما وراء المعنى الظاهر. القراءة في هذا المستوى ليست نقلًا للمعلومات، بل مشاركة وجدانية بين القارئ والنص، أو كما وصفت “روزنبلات” (Rosenblatt, 2005) في نظريتها عن “المعامل الجمالي” أنّ القارئ لا يتلقّى النص فحسب، بل يعيد إنتاجه داخل ذاته، فيتغيّر ويُغيِّر.

ولعل أجمل ما يميز فن القراءة أنّه يُتيح للقارئ أن يُحاور النصوص لا أن يكتفي بامتصاصها. القارئ الفنّان يسائل الكاتب، يعترض، يوازن بين الأفكار، ويستخلص من النصوص معانيَ لم يقصدها مؤلفها أحيانًا. وهذا ما يجعل القراءة فعلًا إبداعيًّا بحدّ ذاته. وقد أشارت دراسة حديثة (Grabe & Stoller, 2020) إلى أنّ القارئين الذين يمارسون القراءة بوعي جمالي هم الأكثر قدرة على تنمية مهارات الكتابة الإبداعية والتفكير النقدي، إذ تتحول القراءة لديهم إلى محفّز للإنتاج لا مجرد استهلاك.
ومن منظور نفسيّ، أثبتت أبحاث (Wolf, 2018) حول “دماغ القارئ” أنّ القراءة العميقة ـ التي تتجاوز المعنى السطحي إلى التأمل والتذوّق ـ تُنشِّط مناطق في الدماغ مسؤولة عن الخيال والتعاطف وصنع القرار، مما يجعل القارئ أكثر قدرة على إدراك مشاعر الآخرين والتفاعل مع قضاياهم. فالقراءة ليست إذن عملية معرفية فحسب، بل هي أيضًا ممارسة وجدانية وأخلاقية تُهذِّب الروح.
وبين المهارة والفن علاقة تكامل لا يمكن إغفالها: فالمهارات القرائية تمثل الجسر، بينما فن القراءة هو الرحلة. المهارة تُكسِب القدرة، والفن يُكسِب الرؤية. القارئ الماهر قد يعرف كيف يُحلّل النص، لكنه لا يعيش التجربة الجمالية إلا إذا ارتقى إلى الفن. والقارئ الفنّان قد يغوص في النصوص ويذوب فيها، لكنه لا يبلغ عمقها إلا إذا كان متمكّنًا من أدوات التحليل والاستنتاج. وكما أن العازف لا يُبدع لحنًا دون إتقان العزف، فإن القارئ لا يُبدع قراءةً دون أن يجمع بين المهارة والفن.

ومن هنا فإنَّ التربية الحديثة مدعوّة إلى أن تُعيد النظر في مفهوم “تعليم القراءة”. فلا يكفي أن نُعلّم أبناءنا كيف يقرؤون نصًّا أو يجيبون عن أسئلة الفهم، بل ينبغي أن نفتح أمامهم أفق التذوّق، وأن ندرّبهم على النقد والتأمل، وأن نغرس فيهم حبّ القراءة كقيمة حياتية. ففي مجتمعات تُقاس نهضتها بقدرتها على إنتاج المعرفة، تصبح القراءة ـ بمستوييها المهاري والفنّي ـ أساسًا في بناء الإنسان الواعي المبدع.

إنّ القراءة الحقيقية ليست واجبًا مدرسيًّا ولا عادةً يومية فحسب، بل هي لقاء إنسانيٌّ مع الأفكار، ورحلة داخل الذات، ومغامرة في عوالم لم نطرقها من قبل. من امتلك المهارة امتلك الأداة، ومن تذوّق الفن امتلك البصيرة، ومن جمع بينهما صار قارئًا مُبدعًا يرى في كل كتاب عالمًا جديدًا، وفي كل صفحة حياةً مضافة إلى حياته.

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي