
وجهوا الأبناء نحو شغفهم
بقلم: مصطفى نصر
يقول برنارد شو في أحد مقالاته الساخرة:
(كل الآباء يريدون أبناءهم أطباء، فكيف تستمر الحياة إذا لم توجد المهن الأخرى غير الأطباء؟؟)٠
هنا يتحدث برناردشو عن أن العالم قائم على التنوع المهني، فالطبيب يحتاج إلى مدرس ليكون طبيبًا، ويحتاج إلى مهندس يصلح له الأشياء، ويحتاج إلى بائع خضر وجزار وبقال وحلاق، فلابد للآباء ألا يحكموا على أبنائهم للدخول في تخصصات لا يملكون لها الإمكانيات ولا الرغبة والشغف.
الطالب عندما توجهه لدراسة لا يحبها ولا يجد فيها شغفه يعيش تجربة مؤلمة تشبه تجرّع دواء مر. هذا الوضع لا يؤثر فقط على أدائه الأكاديمي، بل قد يمتد إلى نفسيته ومستقبله!

لماذا دراسة مجال غير محبب تشبه “دواءً مرًا”؟
لأن الطالب يفقد الحماس ويفقد الدافع للتعلم، مما يجعل الدراسة عبئًا ثقيلًا يؤدي للإحباط النفسي والشعور بالتوتر والقلق أو حتى الاكتئاب، خاصة إذا كان الضغط من الأهل أو المجتمع.
وبدون شغف، يصعب على الطالب التفوق أو الإبداع، مما قد يؤدي إلى شعور بالفشل، وإهدار الإمكانيات، وحتى لو نال الوظيفة بعد التخرج فإنه سيكون مجرد موظف اعتيادي لا يجيد الابتكار في مجاله ولا يجيد التفكير خارج الصندوق في تخصصه، ويكون مجرد آلة تميل للروتين في انتظار راتبه آخر الشهر.
وهو إهدار لإمكانيات كانت يمكن أن تفيد الوطن لو توجه الطالب إلى مجال شغفه، فالطالب الذي يُجبر على دراسة الطب، مثلًا، بينما شغفه في الفنون أو التكنولوجيا، قد يضيع مواهبه الحقيقية.

كيف يمكن معالجة هذه المشكلة؟
اكتشاف الشغف مبكرًا فالمدارس يمكن أن تقدم برامج توجيه مهني تساعد الطلاب على معرفة ميولهم من خلال اختبارات الشخصية أو الأنشطة العملية، ولابد من فتح حوار مفتوح مع الأهل ليفهموا أن النجاح لا يقتصر على الطب أو الهندسة، ويمكن للأسرة مناقشة اهتمامات الطالب معه بمساعدة مرشد أو مستشار.
وفي الختام وخلاصة فإن دراسة مجال بعيد عن شغفه وقدراته كتجرّع دواء مر، لأنها تجعل التعليم معاناة بدلاً من متعة. الحل يكمن في تمكين الطلاب من اكتشاف مواهبهم، وتثقيف الأهالي حول أهمية السماح لأبنائهم باختيار مسارات تناسب شغفهم وقدراتهم.
ليس هنالك ما يحتم أن يكون ابن الطبيب طبيبًا وابن المهندس مهندسًا وابن المحامي محامي، قد تكون ميول وشغف واستعدادات ابنك في مجال غير مجالك، أو في غير التخصص الذي تفرضه عليه، فليس كل طالب هو عبقري في الرياضيات والفيزياء والأحياء وفي الجغرافيا والتاريخ واللغات.
فما المانع في أن يكون بعض طلابنا الذين يميلون للخلق والابتكار وفك وتركيب ألعابهم والأشياء من حولهم، يوجهون منذ وقت مبكر للتعليم الفني؟ وما المانع في أن نوجه من شغفهم في الفلاحة إلى المساق الزراعي؟، ومن يملكون الاستعدادات للحساب أن يتوجهوا إلى مساق تجاري؟













