
أغالب الشوق
الكاتب: علاء إبراهيم
أمضيت ليلتي أغالب الشوق برغبات النوم، فيغلب الشوق و الحلم و الأمل، و يطوى ظلمة الغرفة مع تسارع دقات الساعة المبددة، فى تخيلات رأسي الصغير عن المقاعد المتراصة أمام سبورة سوداء سطرتها خطوط بيضاء، سرعان ما تمحى فتثير غبار الطباشير الأبيض المختلط برائحة أقلام الرصاص الخشبية، و ممحاة زهرية و كراريس بيضاء ذات التسعة أسطر، و حقيبة جلدية تكتظ بالكتب و بقايا الطعام، الذي كنت أحلم بامتلاكي لها كلما سمعت أحاديث إخوتى الذين سبقونى إلى المدرسة بحكم أعمارهم التى تسبقنى بسنوات قليلة .
منذ أن تحممت أجسادنا الضئيلة بنبع الأمومة الدافئ و ماء الطست الساخن، الذى تملأه كلما فرغ من إناء تغدر تحته نيران الوابور الذى أثار الدفء و النعاس فى جفوننا التى نغالبهما و نحن نرتدي ملابس النوم، لكنهما سرعان ما تحولا إلى سراب بعد خلودنا إلى الفراش و احتضان أحذيتنا الجديدة برائحتها الخالدة، و همهمات الصغار التى تنكتم بغتة، كلما تناهى إلينا وقع أقدام تدنو من باب الغرفة الموصد على ظلامها، الذى لا يشقه سوى تسلل ضوء خافت من خلال ثقوب و زوايا الباب الكبير، فقضينا وقتا لا نعرف مقداره حتى سكتت جميع الأصوات و انعزل كل فى عالمه، فلم نعد نعرف من غلبه النوم ممن بات ليلته يحلم و يتمنى حتى اختلطت طرقات أبي بوقع أقدام أمي، بخرير مياه الصنبور بصليل المعالق و الأطباق و الأكواب الزجاجية، بعالمي الغارق في بحر الأحلام حتى تبدد كل شئ مع رنين المنبه المعدني، و تبددت أمنياتى فى قسط ولو قليل من النوم فانطلقنا نرتدى المرايل البيج و الأحذية اللامعة، و الحقائب الخاوية المتأهبة لكتب المدرسة التي سنتسلمها بعد ساعات قليلة .
،
انطلقت خطواتي الأولى نحو العلم و الدراسة، و رفقاء جدد تتماثل أعمارنا و أجسادنا كما تماثلت ملابسنا و أحلامنا البريئة، التى سرعان ما افترستها رحى الأيام و السنون الغاشمة حتى لم يبق منها سوى ذكريات دفينة، تختبئ بداخلنا كهمس الحواديت و دفء كف أمي الحانى و رائحة الجوافه و أزيز وابور الجاز و رنين المنبه المعدنى القديم .











