مقالات متنوعة
أخر الأخبار

هل نُربي أولادنا! أم يربيهم “التيك توك”؟

هل نُربي أولادنا! أم يربيهم “التيك توك”؟

 

بقلم: رشا علواني 

 

في زمن السوشيال ميديا، وبالتحديد مع الانتشار الكاسح لـ”تيك توك” وباقي المنصات السريعة، ظهرت تساؤلات جديدة في كل بيت: هل ما زال الآباء والأمهات يملكون زمام التربية فعلًا؟ أم أن هناك “مُربي جديد” يشاركنا من غير استئذان، يجلس مع أولادنا أكثر مما نجلس نحن، ويتكلم بلغتهم ويؤثر على عقولهم وذوقهم وسلوكهم؟

اليوم، أصبح المشهد مألوفًا جدًا: طفل في السابعة أو العاشرة يجلس بالساعات أمام شاشة هاتفه، يتابع مقاطع لا يتجاوز طولها دقيقة، لكنها تحمل من التأثير ما قد لا يستطيع الأهل نقله خلال أشهر. بعض هذه المقاطع قد يكون ممتعًا أو مفيدًا، لكن كثير منها يُصدِّر أفكارًا وسلوكيات وقيمًا لا تتناسب مع بيئتنا أو تربيتنا.

إذن، السؤال الذي يجب أن نطرحه بجدية: من المربي الحقيقي لأولادنا الآن؟ نحن أم السوشيال ميديا؟

 

 – المشكلة: عندما تصبح التربية “مشاركة مفتوحة”

1. غياب الرقابة الواعية:

كثير من الأهالي يمنحون الطفل الهاتف بدافع التسلية أو الانشغال، ومع مرور الوقت يتحول الجهاز إلى “مُربي بديل”. النتيجة: محتوى بلا فلترة يصل لعقل الطفل مباشرة.

2. إدمان الانتباه السريع:

فيديوهات التيك توك والريلز تعوّد الدماغ على المكافأة السريعة والانتباه القصير. هذا يؤثر سلبًا على قدرة الطفل على التركيز، الصبر، والتحمل.

3. تطبيع السلوكيات الغريبة:

ما يشاهده الطفل على المنصات قد يصبح بالنسبة له “الطبيعي”، حتى لو كان بعيدًا تمامًا عن قيمنا. من تقليد حركات، ألفاظ، أو تحديات خطرة، الطفل لا يميز الضرر إلا بعد فوات الأوان.

4. فجوة بين الأجيال:

حين يعيش الطفل في عالم افتراضي له لغته ورموزه الخاصة، بينما يعيش الأهل في عالم آخر، تظهر فجوة في التواصل والحوار، فيشعر الطفل أن السوشيال ميديا “تفهمه أكتر من أهله”.

 

الحلول: كيف نستعيد دورنا كمربين؟

1. التربية الواعية بدل المنع المطلق

المنع الكامل لم يعد عمليًا. أولادنا سيجدون طريقة ما للوصول إلى هذه المنصات، سواء من أقرانهم أو أجهزة أخرى. الحل الأفضل هو المرافقة الواعية: أن نكون موجودين كأهل، نعرف ما يشاهدونه، ونناقشه معهم بهدوء.

2. تحديد وقت الشاشة بوعي

الدراسات تؤكد أن الطفل أو المراهق الذي يتعرض للشاشات أكثر من ٣ ساعات يوميًا يكون أكثر عرضة لمشاكل في التركيز والقلق. يمكن الاتفاق على وقت محدد للشاشة (مثلاً ساعتين يوميًا)، مع أنشطة بديلة (رياضة، قراءة، هوايات).

3. تقديم بدائل جذابة

الطفل لن يترك محتوى التيك توك إلا إذا وجد بدائل ممتعة بنفس القوة. مثل:

قنوات تعليمية ترفيهية (علوم، قصص، تجارب).

تطبيقات ألعاب ذكية تنمي التفكير.

مشاركته في نشاط واقعي (كرة، رسم، موسيقى).

4. التربية بالقيم لا بالأوامر

بدلًا من جملة: “ما تشوفش ده”، جرب أن تقول: “إيه رأيك في اللي شفته؟ تحس إنه صح ولا غلط؟” الحوار ينمي عند الطفل الوعي النقدي، فيبدأ يفلتر بنفسه المحتوى بدل ما يفرض عليه من الخارج.

5. تعليم الطفل مهارات “المناعة الرقمية”

كما نحصّنهم ضد الأمراض باللقاحات، نحتاج نحصنهم ضد مخاطر السوشيال ميديا:

مهارة التحقق من المعلومة.

التمييز بين الحقيقي والمفبرك.

فهم أن “عدد اللايكات” لا يساوي القيمة.

6. القدوة أهم من الأوامر

الطفل يراقبنا قبل أن يسمعنا. إذا كان الأب أو الأم يقضون أغلب وقتهم على الهاتف، فكيف يُقنعون طفلهم أن يقلل من استخدامه؟ التربية تبدأ من السلوك الذي نقدمه كنموذج 

 – مقترحات عملية للأهالي

– جدول أسري: ضعوا جدول أسبوعي فيه وقت للشاشة، ووقت للعب الجماعي، ووقت للقراءة.

– جلسة حوار أسبوعية: ناقشوا مع الأولاد ما شاهدوه على السوشيال ميديا، بحيادية، وشاركوا رأيكم.

– مكافآت خارج الشاشة: كل إنجاز حقيقي (قراءة كتاب، حفظ قرآن، نشاط رياضي) له مكافأة، بحيث ما يكونش الهاتف هو مصدر السعادة الوحيد.

– تجربة “اليوم بلا شاشة”: يوم واحد في الأسبوع بدون هواتف، لتعويضه بأنشطة أسرية أو رحلة خارجية.

– مشاركة الأهل في عالم الطفل: جرّبوا أن تتعلموا مع أولادكم كيف يُصنع فيديو، أو تابعوا معًا قناة هادفة. هذا يعزز القرب ويكسر الفجوة.

 – الخلاصة :

التيك توك وغيره من المنصات لن يختفوا، بل سيزدادوا تأثيرًا. لكن السؤال الحقيقي: هل نسلّمهم أولادنا بالكامل؟ أم نشارك نحن في صياغة وعيهم؟

الأمر يحتاج إلى تربية جديدة تواكب الزمن: تربية تعترف بوجود السوشيال ميديا، لكنها تحمي أطفالنا من أن يكونوا مجرد “ضحايا للمحتوى السريع”. نحن لا نستطيع منع الموجة، لكننا نستطيع تعليم أولادنا كيف يسبحون فيها دون أن يغرقوا.

فالأب والأم يظلان المربي الأول.. إذا وعوا أن التربية اليوم لم تعد مجرد “تعليم أوامر”، بل صارت “حوار، مشاركة، وقدوة .

 

رشا علواني

أخصائي نفسي ومدرب معتمد من عدة جهات دولية، حاصلة على ماجستير في الاضطرابات الجنسية للأطفال والمراهقين، مرشد أسري وزواجي، تهتم بالدعم النفسي والمجتمعي، وتسهم في التوعية الأسرية بمحتوى إنساني وتوجيهي عبر الإعلام، صحفية بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي