
حين تبكي البيوت في بورسعيد
ظاهرة الطلاق تلتهم استقرار المدينة
بقلم: رشا علواني
“بورسعيد” المدينة التي كانت يومًا عنوانًا للنضال والصمود، أصبحت اليوم تقف أمام معركة مختلفة تمامًا.. معركة داخل البيوت، صامتة، لكنها مؤلمة، تُفكك الأسر وتترك خلفها قلوبًا مكسورة وأطفالًا ضائعين.
تقول الأرقام الرسمية إن محافظة بورسعيد من أعلى المحافظات في نسب الطلاق مقارنة بعدد السكان، في وقتٍ تراجعت فيه معدلات الزواج والمواليد معًا.
أرقام لا يمكن تجاهلها، لأنها تعني ببساطة أن هناك أزمة حقيقية في النسيج الاجتماعي داخل المدينة.

الطلاق لم يعد حالة فردية أو استثناء، بل صار ظاهرة تتحدث عنها الأحياء الشعبية كما تتحدث عنها المناطق الراقية، تتكرر القصص بأسماء مختلفة لكن النهاية واحدة: بيت انهار… وأطفال تائهون بين والدين فقدا القدرة على التواصل.
بورسعيد.. من مدينة الصمود إلى مدينة البيوت المكسورة
بورسعيد لطالما كانت رمزًا للقوة، لرجالها الذين دافعوا عن الأرض، ونسائها اللاتي وقفن خلفهم في كل معركة.
لكنها اليوم تواجه معركة من نوعٍ آخر: انهيار منظومة الأسرة.
تزايد حالات الطلاق في المدينة يعكس خللاً عميقًا في العلاقات، وفي طبيعة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الناس.
الغلاء، وارتفاع تكاليف المعيشة، والبطالة، والتوتر النفسي الناتج عن ضغوط العمل أو غيابه — كلها عوامل تزرع التوتر داخل البيوت.
وفي ظل غياب الدعم النفسي والاجتماعي الحقيقي، تتحول الخلافات الصغيرة إلى جروح لا تُشفى، والبيت الذي كان من المفترض أن يكون “سكنًا ومودة” يصبح ساحة حرب.
الأدهى من ذلك أن كثيرًا من الشباب في بورسعيد يعجزون أصلًا عن تكوين بيت.
المشروعات السكنية التي تحدث عنها المسؤولون، بدلاً من أن تكون باب أمل، أصبحت عبئًا جديدًا.
تكاليف مبالغ فيها، وشروط معقدة، وأسعار لا تُناسب دخل الشباب.
فكيف لشابٍ بالكاد يجد عملًا أن يسدد أقساطًا بالملايين؟
وإذا بدأ الزواج فوق جبل من الديون، فهل نلومه إن انهار عند أول هزة؟

من المظاهر إلى الواقع: أين ذهبت المودة؟
المشكلة في بورسعيد ليست فقط اقتصادية، بل نفسية واجتماعية أيضًا، جيل كامل من الشباب والبنات يدخل الزواج دون استعداد نفسي حقيقي، ودون فهم لعمق المسؤولية.
تُبنى العلاقات على المظاهر: فستان، جلسة تصوير، حفلة، بيت جديد…
لكن لا أحد يسأل: هل هناك تفاهم؟ هل هناك وعي؟ هل هناك استعداد للصبر والتنازل؟
في الماضي، كانت الخلافات تُحلّ داخل البيت، بالكلمة الطيبة والعقل والحكمة، اليوم تُنشر على “السوشيال ميديا”، وتتحول إلى مادة للنقاش والتشهير.
اختفى الحوار، وغابت ثقافة الإصلاح، وظهر بدلها الأنانية و”الأنا” المفرطة التي لا ترى إلا نفسها.
الزوجة تطلب الكمال في كل شيء، والزوج يريد الراحة بلا مسؤولية، وكلاهما ينسى أن الزواج رحلة طويلة تحتاج إلى تفاهم لا إلى انتصار.
حين يغيب الدعم.. ينهار الأساس
في بورسعيد، مثل غيرها من المدن، لا يوجد نظام دعم حقيقي للأسرة بعد الزواج.
لا مراكز استشارات أسرية فعالة، ولا برامج توعية جادة في المدارس أو الجامعات تُعدّ الشباب للحياة الزوجية.
وفي المقابل، يتدخل الأهل غالبًا بطريقة تزيد المشاكل بدل أن تحلّها.
بعض الأمهات أو الآباء يشعلون النار بدافع “الغيرة” أو “الكرامة”، فيتحول الخلاف البسيط إلى طلاق لا رجعة فيه.
من ناحية أخرى، القانون رغم أنه ينصّ على حقوق الطرفين، إلا أن الواقع في المحاكم مؤلم.
إجراءات طويلة، واتهامات متبادلة، ومعارك حول النفقة والحضانة، كلها تُحوّل الانفصال إلى مأساة متكررة.. وفي النهاية، يدفع الأطفال الثمن الأكبر.
أطفال بلا دفء.. ومجتمع بلا توازن
الطفل الذي يكبر بين والدين منفصلين يعيش صراعًا داخليًا لا يُرى. يخاف من الحب، ويشك في الاستقرار، وينمو داخله خوف دائم من التكرار.
وفي مدارس بورسعيد، بدأت تظهر آثار الطلاق في سلوك الأطفال: عنف، تشتت، ضعف تركيز، أو انسحاب اجتماعي، المعلمات يلاحظن ذلك، لكن الدعم النفسي غائب.
والمؤسف أن البعض ما زال يرى أن الطلاق “حرية شخصية”، دون أن يدرك أنه في كثير من الحالات كسْر لأمان الأطفال، وهزّ لبنية المجتمع كله.
من المسؤول؟
الكل مسؤول..
المسؤول التنفيذي الذي يفرض سياسات سكن لا تُناسب الشباب.
والأسرة التي تضغط على ابنها أو بنتها للزواج دون وعي.
والمجتمع الذي يروّج للمظاهر ويهمل الجوهر.
والإعلام الذي يحتفي بالطلاق كرمز للجرأة، بدل أن يقدّم نماذج لزواج ناجح يقوم على الاحترام والاحتواء.
حتى نحن كأفراد، حين نستهين بكلمة “انفصال”، أو نُشجّع أحد الأطراف دون فهم الصورة الكاملة، نكون جزءًا من المشكلة.
بورسعيد تستحق بيوتًا مستقرة.. لا أرقامًا في تقارير
حين نسمع أن نسب الطلاق في بورسعيد ارتفعت، لا يجب أن نكتفي بالدهشة، بل بالسؤال:
ماذا فعلنا لنمنع ذلك؟
هل وفّرنا فرص عمل حقيقية للشباب؟
هل قدّمنا دعمًا نفسيًا للأسر المتعثرة؟
هل لدينا خط ساخن أو مبادرات حقيقية للإصلاح الأسري قبل الطلاق؟
بورسعيد، المدينة التي خرجت منها قصص بطولات عظيمة، تستحق أن تكون أيضًا مدينة بيوت مستقرة،
مدينة تفرح بزغاريد الزواج لا بصمت الانفصال.
لابد أن نعيد بناء ثقافة البيت الواحد، أن نعلّم أبناءنا أن الزواج ليس سباقًا للمظاهر، بل رحلة مشاركة ومسؤولية. وأن الطلاق، رغم أنه مباح، يجب أن يكون آخر الحلول، لا أولها.
رسالة من القلب إلى بورسعيد
يا بورسعيد..
أنتِ مش بس مدينة الميناء والتاريخ.
أنتِ المدينة اللي كل شارع فيها شهد حكايات كفاح،
فما ينفعش تنهزّ دلوقتي بسبب خلافات داخل البيوت.
بورسعيد تستحق مشروع “إعمار القلوب” قبل الحجر،
تستحق برامج تحمي شبابها من الوجع، وسياسات تسهّل الزواج بدل أن تعقّده، وخططًا تُعيد الثقة في معنى “الأسرة” قبل أن تضيع تمامًا.
فلنقف جميعًا لحظة صدق مع أنفسنا، ونتذكر قول الله تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾
نعم، كلنا مسئولون.
عن كل بيت انهار، وكل طفل بكى، وكل قلب اتكسر في بورسعيد.
وحتى يعود الدفء إلى بيوت مدينتنا..
يجب أن نعيد أولًا الدفء إلى ضمائرنا.













