مقالات متنوعة
أخر الأخبار

فلسطينُ الجرحُ الذي لا يُشفى

من بدايات الحلم إلى ثورة الوجود

فلسطينُ الجرحُ الذي لا يُشفى.. من بدايات الحلم إلى ثورة الوجود

 

بقلم: رشا علواني 

 

منذ أن بزغ فجر التاريخ، ولدت فلسطينُ بين ضفاف الأمل والوجع، أرضُ الأنبياء والرسالات، مفترقُ دروب الشعوب والحضارات، رقعةٌ من التقاء الأديان والتراث، وشاهدٌ صامت على معارك العدل والظلم.

لكنّ ما حدث لاحقًا كان أكثر من معركة على أرض، بل صراع على روح وهوية ووجود. هذه قصة فلسطين منذ البداية وحتى اليوم، بقلمٍ تهتزُ له القلوب.

جذور الأرض والإنسان 

كانت فلسطينُ منذ العهود القديمة حلقة وصل بين القارات، وبوابةَ الشرق والغرب. فيها كنعانيون ويونانيون ورومان، ومع الفتح الإسلامي دخلت أرضها الحضارة الإسلامية، لتصبح جزءًا من الخلافة، وتتجلّى فيها قيم التعايش والعاطفة والتسامح. 

القدس، رفيقة السماء، كانت وما زالت مركز العشق، ونقطة التقاء السماوات والأراضي، حاملة تاريخًا يفوق ما تحتمله جدرانها. وما حُفِر في الصخور أو نُسِج في الأساطير سوى جزء من ذاكرة هذه الأرض.

 

بداية الغزوة الصامتة.. ظهور الصهيونية والانتداب البريطاني

 

لوح في الأفق منذ أواخر القرن التاسع عشر مشروعٌ جديد، يسعى إلى إقامة وطنٍ لليهود في فلسطين، فظهرت الحركة الصهيونية التي شقت طريقها عبر الدعوات والهجرة والمنظمات، تدّعي الحلم والقومية، بينما كانت تصادر حلم شعبٍ كاملٍ بأرضٍ يعيش عليها منذ قرون. 

ثم جاء وعد بلفور في عام 1917، كلمةٌ صغيرة بمحتوى كبير، إذ وعدت بريطانيا اليهود بوطن قومي في فلسطين، دون استشارة شعبها الأصلي، وكأن الأرض ملكٌ لمن يطلبها. 

تلا ذلك الانتداب البريطاني (1920–1948)، مرحلةٌ قاسيةٌ من الضغط والاستيطان والتدابير التي نُفذت ببطء وقسوة: تشجيع الهجرة اليهودية، وإعطاء امتيازات اقتصادية لمستوطنين، وقمع أي صوتٍ فلسطيني يطالب بالحقوق. كان الفلسطيني يقاوم بالكلمة والاحتجاج، وبالانتفاضات هنا وهناك، وذلك التراكم الهادئ لمقاومة صامتة.

 

 النكبة.. عام 1948 والتهجير الكبير

حين جاء عام 1947، أصدرت الأمم المتحدة قرار التقسيم لفلسطين إلى دولتين — يهودية وعربية — مع وضع القدس تحت وصاية دولية. كان القرار إجهاضًا لحقٍّ تاريخي، وتدميرًا لكيانٍ حاضرٍ. 

وفي 15 مايو 1948، مع انتهاء الانتداب البريطاني، أعلن الصهاينة قيام دولتهم على أرض فلسطين. وهكذا انطلقت النكبة: ما يقارب سبعمائة ألف فلسطيني هُجّروا من ديارهم، قراهم دُمرت، وبيوتهم اغتيلت، وأسماءُ قرانا اختفت من الوجود. 

لم يكن هذا مجرد حربٍ عسكرية، بل حربٌ على الذاكرة، حربٌ لتفكيك المجتمع الفلسطيني، وتحويله إلى لاجئٍ في بلدان الشتات، يحمل حقيبة اللجوء والوجع. 

حين أفلت بعض الفلسطينيين من الموت أو التهجير، لم تزل الأرض تُسلب منهم تدريجيًا، والمستوطنات تُبنى فوق أنقاض القرى، والقيود تُفرض على من بقي، حتى أن الحلم بالدولة أصبح مشروعا مؤجلاً.

 

 النكسة وحروب الاحتلال

في عام 1967، اندلعت حرب الأيام الستة، فانهزمت الدول العربية وأُخذت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية من يسار الفلسطينيين، وأصبحت إسرائيل تسيطر على كامل الأرض الفلسطينية ما عدا بعض التجمعات في السلطة. 

هنا بدأت مرحلة الاحتلال المفترس: الحواجز، والجدار الفاصل، والمستوطنات التي تزحف من الضفة إلى الداخل، والمداهمات الليلية، واعتقال القيادات والمدنيين بلا ذنب، وتقييد الحركة، ومنع البناء، وتدمير المنازل، وفرض قوانينٍ على أرضٍ ليست أرضهم.

وعلى مدار العقود، مرت فلسطين بحروبٍ على غزة، وعملياتٍ عسكرية، واقتحامات، وجدار فصل، وتصفية نشاطات المقاومة السلمية، عبر سياسة الأمر الواقع وبسط السيطرة على الأرض والمياه والموارد.

 

  المقاومة والهوية والعودة

لم ترضخ فلسطين للصمت، فثارت روح النضال في كل قلبٍ فلسطينيوي. من منظمة التحرير الفلسطينية التي كونت ميثاقًا للمقاومة، إلى الانتفاضتين الأولى (1987) والثانية (2000)، مرورًا بالمقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية، التي أثبتت أن الأرض لا تُنسى، ولا يُمسّ بها الشعب بلا دماءٍ تسيل.

في عام 1993، دخلت فلسطين في مرحلة المفاوضات، فوقع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير وإسرائيل، وقُدّمت أمل بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة جزئية، لكن الواقع كان أقسى من الاتفاقات: الاستيطان توسع، وانقسام داخلي فلسطيني حصل، وتصاعد العنف، وأُعيد تشكيل الأرض بطرقٍ تعجيزية. 

حتى يومنا هذا، لا تزال فلسطين تُذبح صمتًا: الحصار على غزة، الممارسات اليومية ضد المدنيين، الاعتقالات، هدم البيوت، مصادرة الأراضي، اقتحام الأقصى، تهويد القدس، قمع حرية العبادة، وعدّ الدم الفلسطيني رمادًا لا يُرى.

 

 الآن، وما بعد الآن

نحنُ اليوم أمام فلسطينٍ مهددة لا فقط في الأرض، بل في الهوية. لقد زُجّ الطفل في الحرب، والمرأة في الحصار، والمسن في الجوع. لكن رغم الألم، تبدو فلسطينُ حيّةً في قلوب الملايين في كل مكان: في الحنان، في الكلمات، في الأغاني، في الشهداء الذين يروون الأرض بأجسادهم.

إن القضية الفلسطينية ليست قضية جغرافية فقط، بل قضية كرامة، قضية عدالة، قضية إنسان أمام آلة القهر. وإن تخلّف العالم عن حقّنا لا يُغيّر من الحقيقة شيئًا.

اليوم، يقف الفلسطيني أمام خيارٍ لا مفر منه: إما أن يموت فيطرحه الاحتلال، أو أن يعيش فيثور ويثبت وجوده في كل نفسٍ تنفّسه. وسيفعلها إن شاء الله. فالوعي هو سيف، والصراخ هو حق، والعودة هي وعد لا يُمحى.

فمنذ أن تشكّلت فلسطينُ وأول خيط نورٍ أطل من شموخ جبالها، وهي تُرزَح تحت وطأة الظلم والغزو، لكن روحها لم تُقهَر. إنها لا تعرف الهزيمة، لأنها ليست مجرد أرضٍ تُحتلُّ، بل قصةُ إنسانٍ لا يُسكَّنُها نهر الزمن، ولا يُغيّرها جبروت المحتلّ.

يا من تحمل قلبًا يهتزُّ لكلمة فلسطين، لا تنسَ أن تُناديها في صمت الليل، أن تُسافر إليها في خيالك، أن تزرع الكلمات في الأرض التي لم تزل تنبض بدم الشهداء. فالفلسطيني سيعود، ولن تُمحى روحه مهما طال الليل، ولن تسكنه الأرض إلا بشموخه.

فلتكن فلسطينُ كلّ يومٍ في قلبك، وشعلةً لا تنطفئ. وما المحتلُّ إلا ضيفٍ سرعان ما يُطرد حين تُشرق الشمس على نصرٍ وعده لنا التاريخ.

 

رشا علواني

أخصائي نفسي ومدرب معتمد من عدة جهات دولية، حاصلة على ماجستير في الاضطرابات الجنسية للأطفال والمراهقين، مرشد أسري وزواجي، تهتم بالدعم النفسي والمجتمعي، وتسهم في التوعية الأسرية بمحتوى إنساني وتوجيهي عبر الإعلام، صحفية بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي