
لا يمكنك كسر من تعلّم أن يكون سند نفسه
بقلم: د. أحمد النجار
في عالمٍ يعجّ بالضجيج، وتكثر فيه الأحكام، يصبح الثبات على الذات بطولة، والقدرة على العيش في انسجام مع النفس فنًّا نادرًا. إن من ذاق مرارة الوحدة، وواجه صمته دون أن يهرب منه، اكتشف أن الهدوء ليس خواءً، بل مدرسةٌ يتخرج منها الأقوياء.
ذلك الشخص الذي لا يخاف أن يأكل وحيدًا، أو أن يُرفَض، أو أن يخسر بعض الرفاق في طريقه، هو إنسان قد جرب الألم وعرف مذاقه، لكنه أيضًا تعلّم أن الألم ليس نهاية الطريق، بل بدايته.
يقول الفيلسوف فريدريك نيتشه:
“ما لا يقتلني يجعلني أقوى”
وهذه العبارة تلخص تمامًا رحلة أولئك الذين صاغوا قوتهم من ضعفهم، وحكمتهم من جراحهم.
الشخص الذي يصفق لنفسه حين لا يصفق له أحد، لا يفعل ذلك غرورًا، بل إيمانًا بقيمة ما أنجز. لقد وصل إلى مرحلة من النضج تجعله لا ينتظر التقدير من الخارج، لأنه وجد التقدير الحقيقي في داخله. وكما قال الكاتب الأمريكي رالف والدو إيمرسون:
“الثقة بالنفس هي أول سرّ من أسرار النجاح.”
إن الذين يتعلمون حب الذات لا يسقطون بسهولة، لأنهم لم يعودوا يستمدون قيمتهم من نظرات الناس أو أحكامهم، بل من قناعتهم بأنهم يسيرون في الطريق الصحيح. هذا الحب ليس أنانية، كما قد يظن البعض، بل هو وعيٌ عميق بأن الإنسان لا يستطيع أن يعطي إلا حين يكون ممتلئًا. وقد عبّر عن ذلك عالم النفس إريك فروم بقوله:
“حب الذات ليس خطيئة، بل شرط أساسي لحب الآخرين.”
لقد تحوّل الألم لدى هؤلاء إلى طاقة خلاقة، تدفعهم نحو الإنجاز والتوازن، لا نحو الانكسار والانطواء. فمن يجلس مع وحدته دون أن يهرب منها، يصبح أقرب لفهم نفسه، وأكثر قدرة على فهم العالم. إنهم أولئك الذين تعلموا أن السكون ليس فراغًا، بل امتلاءً من نوع آخر؛ امتلاء بالسلام الداخلي والثقة والرضا.
وفي زمنٍ يلهث فيه الكثيرون وراء التصفيق والمؤيدين، يظل هذا النوع من البشر استثناءً جميلاً لا يبيعون أنفسهم لأجل القبول، ولا يساومون على مبادئهم لأجل إعجابٍ زائل. إنهم يعرفون أن الكرامة ليست ترفًا، بل أساس الكيان الإنساني.
وكما قال الأديب مصطفى صادق الرافعي:
“ما وجد أحد في نفسه كمالًا إلا حين استغنى عن الناس.”
هؤلاء هم الذين لا يمكنك كسرهم، لأنهم بنوا حصونهم من الداخل، وشيّدوا بين قلوبهم وعواصف الحياة جدارًا من الإيمان والاتزان.
إنهم ببساطة… الذين تعلموا أن يكونوا وطن أنفسهم.













