مقالات متنوعة
أخر الأخبار

حين تضيق الدائرة وتتسع البصيرة

حين تضيق الدائرة وتتسع البصيرة

 

بقلم: د. أحمد النجار

 

أحياناً يأتي على الإنسان وقت يشعر فيه أن اتساع الدائرة حوله لم يعد نعمة كما كان يظن، بل صار عبئاً يثقل كاهله ويشوّش بصيرته. عندها، يختار أو تُجبره الحياة أحياناً أن يُغلق دائرته على اثنين أو ثلاثة فقط من الذين أثبتت الأيام أنهم بوصلة أمان لا تتبدّل بتغيّر الظروف.

إنّها تلك المرحلة التي يدرك فيها أن الكثرة لا تعني القوة، وأن الوفرة لا تساوي الدفء، وأن البقاء للأصدق أنفع من البقاء للأكثر.

 

في مثل هذه اللحظات، يتقلّص صخب العالم إلى أصوات قليلة مألوفة، وتغدو الأحاديث المختصرة أصدق من المجالس الطويلة. يكتشف المرء أن راحة البال لا تحتاج إلى جمهور، بل إلى قلوب قليلة تعرف معنى الصدق.

وكما قال الإمام عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه:

“قِلَّةُ الأصدقاءِ دليلُ قلَّةِ الزَّيف.”

فكلما تخلّص الإنسان من الزيف، قلّ عدد من حوله، وزاد نقاء عالمه.

 

وقد يمر الإنسان بظروف تجبره على الرحيل، لا كرهاً في المكان أو الأشخاص، بل حباً لنفسه ونجاةً بروحه. يجمع أشياءه المهمة، لا تلك التي تُشترى بالمال، بل ما تراكم من تجارب وذكريات، دروس وآلام، نجاحات وإخفاقات، كلها تشكّل حقيبته الحقيقية. قال الشاعر إيليا أبو ماضي:

“وكنْ في الطريقِ عفيفَ الخُطى

شريفَ السَّماعِ كريمَ النَّظرْ

وكنْ رجلاً إن أَتَوا بعدَكَ

يقولونَ مرَّ وهذا الأَثَرْ.”

الرحيل في بعض الأوقات ليس ضعفاً، بل حكمة نادرة. فكم من راحلٍ أنقذ ذاته من الغرق وسط الضجيج، وكم من باقٍ خسر نفسه وهو يُرضي الجميع. إنّها سنة الحياة، كما قال جبران خليل جبران:

“لا تصدّق أن الذين يبتعدون عنك قد نسوك، لكنّهم فقط وجدوا في البعد ما يحفظ كرامتهم.”

 

تضييق الدائرة ليس انطواءً، بل إعادة تموضع روحي، ومراجعة لما ومن يستحق أن يبقى. إنها لحظة نضوج يتخلى فيها الإنسان عن الزوائد ليحتفظ بالجوهر. فالعلاقات، مثل الشجر، لا تبقى خضراء إلا إن سُقيت بالصدق.

 

ولعلّ أجمل ما في النهاية، أن الإنسان حين يقفل دائرته على القليل، يكتشف أن داخله أصبح أوسع، وأنه أصبح أكثر قرباً من ذاته ومن الله. وكما قال مصطفى صادق الرافعي:

“من لم يجعل لله نصيباً في قلبه، أكلت الدنيا قلبه.”

 

وفي زمنٍ تتسارع فيه الوجوه وتتكاثر الأقنعة، يصبح الحفاظ على دائرة صغيرة نقية بطولة، والقدرة على الرحيل في الوقت المناسب شجاعة لا يقدرها إلا من جرّب البقاء في غير مكانه.

 

فليكن الإنسان وفياً لنفسه قبل أن يكون وفياً للآخرين، وليتعلم أن بعض المسافات لا تُقطع بالأقدام، بل بالوعي، وبعض القرارات لا تُتخذ بالعقل فقط، بل بالقلب حين يكتمل نضجه.

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي