
لكنَّ اللهَ يعلم.. حين تخفى القلوب وجعها
بقلم: د/ أحمد النجار
في كثيرٍ من المواقف تمرّ بنا لحظات لا نجد فيها من يفهمنا، ولا من يقدّر ما في صدورنا من صبرٍ أو ألمٍ أو نيةٍ طيبة. نصمت، نبتسم، ونتعامل وكأن الأمور بخير، بينما في أعماقنا صراعٌ لا يراه أحد. لكن حين تضيق بنا الطرق، ويمتدّ الصمت فينا أكثر مما يحتمل القلب، تشرق في الوجدان حقيقة عظيمة تُعيد الاتزان إلى كل ما اضطرب: “لكن الله يعلم”.
كم من إنسان ظُلم ولم يجد من يسمعه، فوقف بينه وبين نفسه يردد في يقين:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[الملك: 13]
يعلم ما لم يُقال، وما اختنق في الحلق، وما كُتم خشية الفُهم الخاطئ. الله وحده يرى النوايا حين تُساء الظنون، ويُدرك حجم الخير الذي حاولت تقديمه، حتى وإن قابلوك بالجفاء أو النكران.
“لكن الله يعلم” ليست مجرد عبارة عابرة، بل هي سكينةٌ تُلقى في القلب حين لا تجد تفسيرًا لما يجري. هي وعدٌ غير منطوق من ربٍ كريم لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾
[البقرة: 143]
أي لا يضيع دعاءك، ولا صبرك، ولا نيتك، حتى وإن لم يرها أحد.
أحيانًا تظن أنك تُعطي ولا تجد المقابل، فتضعف وتكاد تتراجع، ثم تتذكر أن الله يعلم كم مرة ابتسمت رغم الألم، وكم مرة عفوت رغم قدرتك على الرد، وكم مرة صبرت خوفًا من أن تظلم أحدًا. يعلم خفاياك كما يعلم دموعك التي لم ترها العيون، وكم من المرات قلت في نفسك: “اللهم أنت تعلم أني لم أقصد سوءًا”، فاطمأن قلبك لأنك أودعت سرك عند من لا يخيب ظنك فيه.
في حديثٍ قدسيٍ عظيم قال الله تعالى:
«أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًّا فله»
[رواه مسلم]
فلتظنّ به خيرًا، ولتطمئن أن كل ما يحدث في حياتك تحت علمه وعدله ولطفه. حتى حين تتأخر الإجابة أو يطول البلاء، فهو يعلم السبب، ويعلم أن في التأخير حمايةً لك، وأن في المنع رحمةً خفيّة لم تدركها بعد.
تذكّر دائمًا أن الناس قد لا يدرون ما تمرّ به، وقد يحكمون عليك من ظاهرٍ لا يُعبّر عن حقيقتك، لكن الله يعلم كم مرة خيّبت الظنون فيك فآثرت الصمت احترامًا لنفسك. يعلم كيف حاولت أن تبقى طيبًا في عالمٍ قاسٍ، وكيف واجهت الإساءة بحلمٍ لا يقدّره إلا هو.
وفي لحظة الضعف، حين تنكسر أمام الله وتقول في دعائك: “يا رب، أنت تعلم ما في قلبي”، تشعر أنك لا تحتاج بعدها لأي تبرير أو شرح. فالعليم وحده من يراك حين تُصلّي خفيةً، وحين تُخفي صدقتك، وحين تُسكت نفسك عن الغضب. قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾
[آل عمران: 5]
فلتجعل يقينك دائمًا أن ما غاب عن الناس لم يغب عن الله، وأن ما ظنه البعض خسارةً هو في علم الله خيرٌ مدّخر. لا تحزن إن لم يُقدّرك أحد، ولا تيأس إن لم تُفهم نواياك، فكل خطوةٍ صادقة، وكل دمعةٍ نقيّة، وكل نيةٍ طيبة، محفوظةٌ عند من لا تضيع عنده الودائع.
فحسبك أن تقول في النهاية: “لكن الله يعلم”، ويكفي أن يعلم الله. ففي علمه عزاؤك، وفي رحمته جبرك، وفي قضائه خيرٌ، وإن خفي عنك وجهه اليوم.
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ… وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾
[الأنعام: 59]
فاطمئن.. فكل ما لم يفهمه الناس، فهمه الله.













