مقالات متنوعة
أخر الأخبار

خطر الطريق الخاطيء

من سلسلة مقالات "حوار الذات"

خطر الطريق الخاطيء

 

بقلم: د. إسماعيل الشربيني 

 

من سلسلة مقالات “حوار الذات”

حين يضلّ الساعي وهو يظنّ أنه على هُدى..

إيّاك..

فأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان في حياته أن يبذل جهده، ويُتعب وقته وقلبه، ويظن أنه على صواب.. بينما هو يسير في الاتجاه الخاطئ تمامًا؛ فليس كل ساعٍ مهتدي، وليس كل تعب يُثمر، وليس كل حركةٍ طاعة.

أيها اليقظان دومًا:

لقد جاءت سورة الكهف لتوقظ القلوب، وتفتح البصائر على حقيقة خطيرة تصيب البشر في كل زمان: الانخداع بالعمل، والاغترار بالسعي، والركون إلى الظن لا إلى الحق، يقول الله تعالى:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾

[الكهف: 103–104]

تأمّل..

لم يقل: تركوا السعي، بل قال: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾؛ فالضلال ليس في قلة العمل، بل في العمل بلا بصيرة، ولم يقل: يعلمون خطأهم، بل قال: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ﴾؛ أي يظنون أنهم على خير، وهذا المعنى ترى مثاله بوضوح في حياتنا اليوم..

ترى موظفًا يكدّ ليل نهار، يظن أنه ناجح لأنه دائم الانشغال، بينما أهمل أسرته وضيّع صحته ولم يطور نفسه… فسعي كثير، لكن بلا اتجاه صحيح.

وترى شابًا منشغلًا بالدعوة على مواقع التواصل، يتحدث عن الدين ساعات، لكنه يؤخر صلاته ويهمل فرائضه؛ يحسب أنه يخدم الدين، وقد ترك الأساس الذي يقوم عليه الدين.

وترى طالبة تحفظ القرآن، لكنها تشهر لسانها على الناس وتحتقر من حولها؛ فتظن أنها محسنة، بينما الأخلاق ـ وهي ما أمر بها القرآن ـ غائبة.

وترى من يبذل الخير وينشر الصور طلبًا لمدح الناس؛ فجهده ظاهر، لكن إخلاصه ضائع.

وقد ترى رجلًا يبدأ مشروعًا كبيرًا بلا علم ولا استشارة، ينفق المال والوقت، ثم يفشل… لأنه اجتهد بعزم، لكنه سار بلا بصيرة.

بل حتى المُربِي أو المعلم حين يكرر نفس الأساليب عشرين سنة دون تطوير، يظن أن خبرته تكفيه… بينما الزمن تغيّر والطلاب تغيّروا، وهو ما زال يسير وهو يحسب أنه على هدى.

 

هذه الأمثلة هي صورة معاصرة لذلك الانحراف الذي حذّر منه السلف؛ أن يظن العبد أنه محسنٌ وهو مسيء، وأن يعتمد على ظنه لا على هدى الله ورسوله.

 

قال ابن مسعود رضي الله عنه:

“كم من مريدٍ للخير لن يصيبه.”

لأن النية وحدها لا تكفي.. والجهد وحده لا يكفي.. والسعي وحده لا يكفي.

ثم تأتي البوصلة الجامعة في آخر السورة:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾

[الكهف: 110]

هنا يرسم القرآن طريق العمل المقبول بثلاثة شروط:

1. الإخلاص: (ولا يُشرك بعبادة ربه أحدًا).

2. الصلاح: موافقة السنة، لا الهوى.

3. الرجاء: أن يكون الهدف وجه الله لا رضا الناس.

وقال النبي ﷺ:

«إنما الأعمال بالنيات…»

وقال:

«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ.»

فالعمل يحتاج نية صحيحة ومنهجًا صحيحًا.

وهذا كان منهج السلف.. إخلاص في القلب، اتّباع في العمل، ومراجعة دائمة للمسار.

صديقي…

ليس كل سعي نجاحًا، وليس كل تعب إنجازًا، وليس كل طريق موصلًا، لذلك يحتاج الإنسان أن يقف كل فترة وقفة صدق مع نفسه:

هل أسعى في الطريق الذي يرضي الله؟

هل أبني أفعالي على علم أم على ظنّ؟

هل أتبع الحق أم ما ترتاح له نفسي؟

وهل العمل الذي أقدم عليه اليوم سيوصلني إلى غايتي… أم إلى طريق مسدود؟

 

والسؤال الأخطر الذي يجب أن نواجه به أنفسنا: “ما الطريق الذي أسير فيه بكل قلبي… لكن عقلي وبصيرتي لا يطمئنان إليه؟”

هذه المراجعة هي الفارق بين السائر إلى الله…

والسائر إلى التيه وهو يحسب أنه على هدى.

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي