مقالات متنوعة
أخر الأخبار

العظماء لا يختبئون خلف الأعذار بل يصنعون دروب المجد

العظماء لا يختبئون خلف الأعذار بل يصنعون دروب المجد

بقلم: د. أحمد النجار 

 

العظماء ليسوا أولئك الذين عاشوا ظروفًا مثالية، ولا الذين وُلدوا بامتيازات استثنائية؛ بل هم الذين امتلكوا بصيرة واضحة، وإرادة لا تهتز، وقناعة راسخة بأن الأعذار لا تبني مستقبلًا ولا تصنع إنجازًا.

لقد أدركوا مبكرًا أن الراحة التي تمنحها الأعذار مؤقتة، لكن ثمنها باهظ على المدى البعيد، لأنها تسرق العمر وتطفئ الشغف وتدفن الطموحات.

 

فالقرآن الكريم يُرسّخ قاعدة عظيمة في فهم حقيقة المسؤولية، ويضع معيارًا دقيقًا للإنجاز، فيقول تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

[النجم: 39]

إنها رسالة واضحة.. السعي هو أساس كل نتيجة، والعمل هو طريق كل رفعة. أما الأعذار فلا تمنح صاحبها سوى شعور وهمي بالطمأنينة.

 

ولم يقف القرآن عند حدود الدعوة للعمل، بل أكّد أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، حين قال سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[الرعد: 11]

هذه الآية تجعل الإنسان أمام مسؤوليته المباشرة: لا شيء يتغير ما لم يتغيّر هو، ولا خطوة تُقطع ما لم يخطوها بنفسه.

 

ولذلك، حين تقرأ السير الذاتية للقادة والمصلحين والمخترعين والعلماء، تجد بينهم رابطًا واضحًا:

رفض الأعذار، والإصرار على المواصلة، وتحويل العقبات إلى حوافز.

 

فالعظيم لا يهرب من المشكلة، بل ينظر إليها كجزء من رحلة النضوج. وقد جسّد توماس إديسون هذا المعنى حين قال:

«أنا لم أفشل، بل وجدت عشرة آلاف طريقة لا تعمل.»

إنها فلسفة المثابرة؛ الفشل ليس نهاية، بل خطوة على الطريق.

وهذه الروح نفسها نجدها معززة في قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

[العنكبوت: 69]

فالهداية والنجاح لا يُعطيان لمن يجلس متحسّرًا، بل لمن يجاهد ويتحرك ويصبر.

 

لقد أثبتت التجارب البشرية أن الفرق بين الشخص العادي والعظيم ليس في المواهب دائمًا، بل في طريقة التعامل مع العوائق. فهناك من يرى العقبة جدارًا يسد الطريق، وهناك من يراها سلّمًا للارتقاء. وهذا ما عبّر عنه القرآن مرة أخرى بقوله:

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

[آل عمران: 159]

فالعزم قرار بشري، والتوكل مدد رباني، والجمع بينهما مفتاح الإنجاز.

 

أما ثقافة الأعذار، فهي ثقافة تُطفئ نور الإرادة، وتُربّي التردد، وتحوّل الإنسان إلى متفرّج على أحلامه وهي تبتعد عنه يومًا بعد يوم. قال الإمام الشافعي -رحمه الله:

«بقدرِ الكَدِّ تُكتسبُ المعالي.»

فالمعالي تُنال بالسعي لا بالتمني، بالمشقة لا بالراحة.

 

ويأتي النداء القرآني ليؤكد ضرورة الثبات وعدم الانكسار مهما اشتدت الظروف:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾

[آل عمران: 139]

إنه خطاب قوة يقطع الطريق على ثقافة الأعذار، ويفتح الباب لثقافة الصبر واليقين والإقدام.

ومن هنا نقول أن:

العظماء لا يختبئون خلف الأعذار لأنهم يدركون أن العذر بداية السقوط، وأن التبرير أول أبواب الفشل. أما الذين يصنعون المجد فهم الذين يحملون مسؤولية أحلامهم، ويواجهون ضعفهم، ويصبرون على الطريق مهما طال.

فالنجاح قرار قبل أن يكون نتيجة، وخطوة شجاعة قبل أن يكون وصولًا.

ومن أراد أن يكتب اسمه في سجلّ الناجحين.. فليتجاوز الأعذار، ولينطلق نحو الحياة بقلبٍ ثابت وإرادة لا تنكسر.

 

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي