مقالات متنوعة
أخر الأخبار

حين يطرق النورُ الباب

رسول الله -ﷺ- يطرق بابَ أُبَيِّ بن كعب-رضي الله عنه.

حين يطرق النورُ الباب

بقلم د/ أحمد النجار 

 

القصة خالدة لكن …

في إحدى اللحظات النورانية التي تنبض بها سيرة الحبيب ﷺ، تقف قصة طرقه بابَ أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه كواحدة من أعجب المواقف وأعمقها دلالة. هي لحظة لا يمكن المرور عليها مرورًا عابرًا؛ لأن فيها من الجلال ما يدهش القلب، ومن الحنان ما يلين القلوب القاسية، ومن المعاني ما يُقيم الإيمان حيًّا في الصدور.

لم يكن الليل قد اشتدّ سواده بعد، ولا السكون قد استولى على المدينة، حينما سمع أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه طرقًا خفيفًا على بابه. لم يتوقع أن الزائر في هذا الوقت هو من يحمل للبشرية كلها النور والرحمة. اقترب بوجل، ثم فتح الباب… فإذا بنور النبوة يشرق أمامه. وقف أُبَيّ مذهولاً، وروحه ترتجف خشوعًا: الرسول ﷺ على بابي؟!

نادى رسول الله ﷺ باسمه بحنانٍ يقطر مودة:

“يا أُبَيّ.”

فأجاب مُرْتَجِفًا من الهيبة:

“لبيك يا رسول الله.”

جلس النبي ﷺ وتحدث معه حديث القريب إلى القلب، وسأله عن أعظم سورة في القرآن، فأجاب أُبَيّ بكل أدب:

“الله ورسوله أعلم.”

لكن النبي ﷺ أعاد السؤال مرة أخرى، وكأنه يريد أن يفتح أمامه بابًا، ويدفعه إلى أن يكتشف شيئًا عظيماً في قلبه. عندها، نطق أُبَيّ بما رسخ في صدره:

“آية الكرسي.”

قال له النبي ﷺ مؤكدًا، وبصوتٍ يحمل البشارة والرفعة:

“ليهنِكَ العلمُ يا أبا المنذر.”

وفي روايةٍ أخرى قال له النبي ﷺ:

“إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن.”

فانفجر أُبَيّ بالبكاء، وقال مذهولاً:

“وسمّاني لك ربي؟!”

فقال ﷺ:

“نعم.”

أي منزلة هذه؟! أي شرف عظيم أن يُذكَر اسم رجل بين يدي الله! لحظةٌ تقشعر لها الأبدان، وتذوب لها الأرواح خضوعًا لجلال الله.

لم يكن أُبَيّ -رضي الله عنه- من كبار القادة ولا من أهل الثراء، لكنه كان عبدًا صالحًا، أخلص قلبه للقرآن، فأعلى الله ذكره، وجعله واحدًا من أكثر الصحابة علمًا بكتاب الله.

هكذا هي النبوة.. تطرق أبواب القلوب الطاهرة، وتكرم أصحاب العقول النيرة، وترفع الناس بما يحملون من إيمان وليس بما يملكون من دنيا.

 

الفضائل المستخلصة من القصة

1. منزلة أهل القرآن

يُظهر هذا الموقف أن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته. يكفي أن الله أمر نبيه ﷺ أن يقرأ القرآن على أُبَيّ! وهذا دليل أن العلم الشرعي يرفع صاحبه درجات تتجاوز حدود الدنيا.

2. تواضع النبي ﷺ

أن يأتي النبي ﷺ بنفسه إلى بيت صحابي بسيط، طرقًا للباب، وجلوسًا معه، وسؤالاً وقربًا… هذا أبلغ درس في أن القيادة الحقّة تقوم على التواضع، لا على العظمة الجوفاء أو التكبر.

3. فضيلة العلم والتأمل

سؤال النبي ﷺ المتكرر بشأن أعظم آية لم يكن اختبارًا، بل دعوة للتفكير والتذوق والإدراك. العلم ليس تكديسًا للمعلومات، بل وصول إلى فهمٍ حيّ يجعل القلب حاضرًا.

4. أهمية آية الكرسي

هذه القصة تعضّد مكانة آية الكرسي، التي وصفها العلماء بأنها أعظم آيات القرآن لما تضمه من توحيد وصفات جلال.

5. صدق القلب يرفع صاحبه

أُبَيّ لم يكن أغنى الناس ولا أشهرهم، لكنه كان صادقًا، خاشعًا، مخلصًا. وهؤلاء هم الذين يرفعهم الله، حتى وإن لم يدركوا هم مقدار ما في قلوبهم.

6. قيمة البكاء من خشية الله

بكاء أُبَيّ حين علم أن الله ذكره باسمه دليلٌ على قلبٍ حيّ، يعرف مقام ربه ويخشاه. هذا البكاء ليس ضعفًا، بل طهارةٌ وإيمان.

هذه القصة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي شعاع نور يُصلح القلوب التي أنهكها العالم. فيها معنى عظيم: أن القيم الإيمانية هي التي تصنع الرفعة الحقيقية، وأن أهل القرآن وأهل الإخلاص يصعدون في سُلّم الشرف حتى يسمعوا كلمات تشبه تلك التي سمعها أُبَيّ… كلمات تُخلَّد في السماء قبل الأرض.

إذا أردت رفعةً، فاجعل القرآن رفيقك، والإخلاص ميثاقك، والحق طريقك… فالأبواب التي طرقها رسول الله ﷺ ما زالت تُفتح لكل قلبٍ صادق.

 

 

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي