
تذكرة انتفاضة
بقلم: إسراء فتحي «ملاك الأمل»
انتفاضة قلب، ولجلجة عقل، البالغة في حدتها من وتيرة صراع ذاتية، بدنية، نفسية.. ممتدة وتكبر في كل ثانية ما بين تكاثر أحداث مفاجئة، ومنعكسة السير، ومزمنة الاضطراب في توقيتها، وبين صفعات المشاعر وندمات أوراقي من غبرة التقصير وتفاقم مستوى التنازلات ساعة بعد ساعة… وغيرها.
آه يا نفس، تصلين إلى تلك المحطة من كل عام؛ لتأخذين فرصة فاصلة من كل شيء بلا منازعة، وتنعمين بحقيقة إدراك واغتنام نعمة أهم الشهور.
نعم، ها قد هلَّ علينا شهر رمضان، عسانا نلملم شتاتنا ونستكين، وبقلوبنا وجوارحنا نحسن الطاعات، وتطيب أنفسنا وتصفو، ونفوز ببُشرة العفو والغفران.
ثلاثون يومًا، من طلوع الفجر إلى وقت غروب شمس المغرب يكن صيامنا وللطاعات أجر مضاعف، وقيامه ساعات مباركة من ليالي تَحُفُّها السكينة والاطمئنان.
والسؤال الآن.. كيف نستقبل ونغتنم هذا الشهر المبارك؟
– لكي نستقبله يجب علينا ترك كل المشتتات الدنيوية بلا أي منازعة؛ حتى نعقل ونصفو من ضباب التعلق بها، ونعمل على تذكرة وضبط اتجاه بوصلتنا الأساسية، ومن سلامة فطرتنا، ألا وهي (دار الآخرة).
فقال تعالى:
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}
[سورة البقرة 138]
– نبحث عن صفاء القلب، والعمل على تطهيره وانتفاضته من أي آفات وأمراض، مثل: الكبر، الحسد، الرياء، العُجب، الشك، الوساوس، التعلق بالدنيا… وغيرها، ومعالجة ذلك بمراقبة النفس في تحسين أفعالها وأقوالها، وبكثرة ذكر الله، وعدم الانشغال بحياة الآخرين، وترك ما لا يعنينا، وأجمل دعاء جامع أوصانا به نبينا ﷺ:
«اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
– تفعيل جرس الإنذار على كل باب يلهينا عن طاعة الله؛ لأن رمضان تذكرة استيقاظ، إما أن ننتهزه بصدق، ونحسن طاعته، ونفوز بتلذذه، ونحيي به الروح، ونستمر على ذلك طوال العمر بالمجاهدة، أو نخسر ونغرق في كل ساعة والأخرى، وحين تُسأل في {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} لا تتصدم إن كان رصيدك صفرًا!
– حان وقت الهرولة في أن نحسن التوبة والإنابة إليه، وطلب العفو والغفران، وتجديد النية، وإصلاح ما أفسده التعلق الدنيوي، وإحياء رزانة العقل والقلب والروح.
– ولكي نغتنم رمضان يجب علينا أن نحسن قضاء الخمس فرائض في أوقاتها، تتلف إليها وتشعر بجلالته بأن يناديك، فلبِّ النداء وأقبل، مع مجاهدة النفس في اغتنام سنن النوافل، وصلاة الضحى، وقيام الليل، وصلاة التهجد في العشر الأواخر (تدريجيًّا).
– حسن الإخلاص لله في كل طاعة أو عمل، اصدق في كل قول وفعل بكل جهد وإتقان على تأديتهم بإحسان وتأنٍّ وأمانة، وبأنَّ الله عليم ورقيب ومُطَّلع على كل شيء.
– حسن تلاوة القرآن الكريم وتدبره، لدينا ختمة رمضانية.. نعم، ولكن في كل مرة نفتح فيها المصحف الشريف يجب أن نستشعر بحقيقة أنَّه كلام الله الحبيب؛ لذا نحسن التأدب والمجلس عند القراءة أو السماع، ونجدد نية الانتفاع به «فعلى نياتكم ترزقون»، ونسأله أن يفتح علينا من حيث لا نحتسب، وكما ذكر في قوله تعالى:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}
[سورة ق 37]
فلنهدأ عند تلاوته وبحضور القلب ننصت، وبتحريك اللسان والشفتين نتلو، وبالعقل نتأمل ونتفكر؛ لنفهم ونتدبر آياته بخشوع، سواء بقراءة معانيه، أو تفسيره، أو الاثنين معًا، وبذكر الله بين الآيات، والأجمل إنْ وقفنا عند آية ولا نريد أن نكمل من شدة التأثر الذي وقع في قلوبنا ونحسم قرارنا ونعمل بها.. وهكذا في كل مرة تخضع قلوبنا بين آيات الله العظيمة.
– حسن الصيام في حسن الحفاظ على الجوارح من الذنوب والمعاصي ليلًا ونهارًا؛ لذا علينا الحذر من النفس الأمَّارة بالسوء، وأنْ نصوم لله احتسابًا وطوعًا ومحبةً وإخلاصًا، وليس كرهًا، ولا مقتًا، ولا تذمرًا، ولا موالاة! ونترقب أفعالنا، ونستخرج الدروس والعبر المستفادة من هذه النعمة الجليلة الوحيدة التي أجرها من الله مباشرةً؛ ففي ذلك حكمة تزكية، وأثر عظيم على النفس إن تأملنا.
– حسن الدعاء والتضرع إلى الله وحده في كل وقت، وأعظمه وأنت صائم، ولا تجعله مجرد طلبًا أو رجاءً اعتياديًّا، بل تستشعر وتفتقر قدرك عنده، وبأنك عبد، ضعيف، هزيل، وتطلبه كأول مرة في حياتك مِن الملك -جلَّ جلاله- العظيم والقادر على كل شيء، وتتذلل وتكثر من الإلحاح إليه في كل مرة ترجوه بيقين الاستجابة حتمًا، وكن كريمًا، واضمم دعوات أحبتك والأمة كلها معك.
– حسن المجاهدة تكمن في حسن خلوتك، واستمرارية محاولاتك بلا ملل من هزائم وعثرات طريقك إلى الله، والثبات على ذلك يكمن في الاستعانة بالله، والإحسان في كل الطاعات، وتواضعك، والافتقار إليه وحده، ومن أفضل الخطوات العملية شحن القلب لتذكِرة النفس وتزكيتها هي (طلب العلم).
– وهناك عبادات أخرى أجرها عظيم، مثل: الصدقة، الزكاة، بر الوالدين، صلة الرحم، مصاحبة الأخلاء الصالحين، التأمل، استشعار النعم وشكر الله عليها.
ولكن يؤسفنا حالة تذكرنا لها في رمضان فقط؛ فلنضيف حسن العهد والتأدب في تعاملنا مع الله عزَّ وجلَّ، ونتذكر بأنَّه الغني ونحن الفقراء إليه، والمحتاجين لعفوه ورضاه عنَّا.
ونختم بقول الله تعالى:
{هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}
[سورة محمد 38]













