مقالات متنوعة
أخر الأخبار

أطفال لم يسكنوا الدنيا 

 أطفال لم يسكنوا الدنيا 

بقلم : أسماء سعد فايد

 

منذ أن عرف الإنسان معنى الفقد، وهو يحاول أن يتخيل شكل اللقاء بعد الغياب. لكن يبقى هناك لقاءٌ لا يشبه أي لقاء؛ لقاء أمٍّ بطفلها الذي لم يمنحه القدر فرصة أن يولد، ولم يمنحها فرصة أن تضمه إلى صدرها.

كم من أمٍ اشترت ثوبًا صغيرًا، واختارت اسمًا، ورسمت في قلبها ملامح طفلها، ثم استيقظت ذات يوم على صمتٍ ثقيل، لتكتشف أن الحياة اختارت له طريقًا آخر.

يعود الجميع إلى أعمالهم، وتمضي الأيام، لكن في قلبها يبقى سريرٌ فارغ، وحكايةٌ لم تبدأ، وأغنيةُ مهدٍ لم تُغنَّ.

ذلك الطفل لم يعرف من الدنيا سوى نبضات قلب أمه. لم يرَ الشمس، ولم يلمس التراب، ولم يسمع ضحكةً أو بكاءً. كانت الدنيا بالنسبة إليه رحمًا دافئًا، وصوتًا خافتًا يأتِيه من بعيد، ثم جاءت رحمة الله لتأخذه قبل أن تمسه قسوة الحياة.

وربما لهذا كانت براءته كاملة… لم يحمل ذنبًا، ولم يؤذِ أحدًا، ولم يعرف من الدنيا إلا الأمان.

وأتخيل أن السماء تحفظ كل ما ضاع على الأرض. تحفظ الأسماء التي لم تُنطق، والملابس التي لم تُلبس، والأحلام التي انكسرت في لحظة، والدموع التي أخفتها الأمهات حتى لا يراها أحد.

أطفال لم يسكنوا الدنيا

ثم يأتي اليوم الذي تنتهي فيه كل مسافات الانتظار.

تدخل الأم الجنة، فلا تبحث عن قصرٍ ولا نهر، بل تبحث بعينيها عن ذلك الغائب الذي لم تغب صورته عن قلبها يومًا. وفي الجهة الأخرى يقف طفلها، لا يحمل في قلبه عتابًا، ولا يعرف معنى الفراق، فقد كان منذ رحيله في كنف رحمة الله.

يقترب منها كما لو أنه يعرف الطريق إليها منذ الأزل. لا يحتاج إلى من يدله عليها، فالله الذي جمع بين روحيهما في رحمٍ واحد، قادرٌ أن يجمع بينهما في دار الخلود.

هناك، لا تسأل الأم: لماذا رحلت؟ ولا يقول الطفل: لماذا بكيتِ؟ لأن الإجابات كلها تصبح واضحة حين يرى الإنسان حكمة الله بعيني اليقين.

حينها تدرك أن الأشهر التي قضتها تنتظر مولده لم تذهب سدى، وأن الحب الذي لم يجد فرصةً ليُعاش على الأرض، لم يمت، بل تأجل إلى مكانٍ لا يسرقه الزمن.

ربما كانت بعض القصص قصيرةً في الدنيا، لكنها طويلةٌ في السماء. وربما كانت بعض اللقاءات مؤجلة، لا ملغاة. وما نظنه نهايةً قد يكون في علم الله بدايةً أجمل مما نتخيل.

لهذا، كل أمٍ فقدت جنينًا، لا تظني أن قصتك انتهت عند باب غرفة العمليات أو عند شهادة وفاةٍ صغيرة. فهناك، عند أبواب الرحمة، قصةٌ أخرى يكتبها الله لك، لا وجع فيها، ولا دموع، ولا فراق.

هناك لقاءٌ لا يخشى أصحابه الوداع، لأن الوداع لا مكان له في الجنة.

ولعل أجمل ما نرجوه من الله، أن يكون أول ما تقع عليه أعيننا بعد رحمته، تلك الوجوه الصغيرة التي غابت عن أعيننا في الدنيا، ولم تغب لحظةً عن قلوبنا.

اللهم اجعل أطفال المسلمين الذين رحلوا قبل أن يولدوا طيورًا في جنات النعيم، واجمعهم بآبائهم وأمهاتهم في لقاءٍ تُنسى عنده كل دمعة، وتُجبر فيه كل القلوب، إنك على كل شيء قدير.

أسماء سعد

كاتبة مصرية مهتمة بالفلسفة والهوية الثقافية لدمياط، تكتب مقالات أدبية وتأملية، حول الأعلام، وصحابة أسلوب صحفي مميز، وتمزج بين النثر والشعر، ولها أيضا كتابات تاريخية. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي