هيّا نرتشف بعضًا من القهوة سويًا في شرفة عالية، بعيدًا عن زحمة الحياة، لنرى العالم بصورة كلية.
الشمس تسدل الستار على يوم مضى، وهناك رجل يمشي محملاً بأكياس الطعام، على وجهه علامات التعب، ولكن قلبه ينبض بالفرحة.
يحلم بدخول بيته وإطعام أولاده، ترتسم على وجهه علامات السعادة؛ تُرى، هل قبض اليوم؟
هناك أيضًا طفل يبيع التين الشوكي، تكاد تبصره عيناك، عندما تمعن النظر، ترى جسمه النحيل، تُرى، هل جاء ليعمل وقت إجازة الصيف هنا، وسيعود لطفولته وتعليمه؟
أم أنه أنهى تعليمه المدرسي واكتفى بدروس الحياة؟
وانظر أيضًا إلى تلك المرأة التي أنفقت كل ما لديها على الملابس ومساحيق التجميل، حتى نسيت الفطرة السليمة التي خُلقت عليها.
وهذه بائعة الخضروات والفواكه التي تكافح من أجل جنيهٍ تكسبه من عرق جبينها حلالًا، يكفيها لفتح بيتها، حيث تنتظر أطفال أيتام عودتها إليهم ودفء حضنها.
مهلًا مهلًا، يا فتى، ألم ترَ تلك السيارة الفارهة التي يقودها شابٌ لم يتجاوز سن العشرين؟
لماذا يقود بتلك السرعة الجنونية؟ ولماذا لا يكترث للصبي الذي كان سيصدمه، رغم ستر الله؟
ومن هؤلاء؟
إنهم مجموعة من الفتيان يحملون الهواتف، لا يكترثون للطريق، هل تعلم ماذا يشاهدون؟ ومع من يتواصلون؟
بعيدًا عن هذا البعد المادي الذي غرقنا فيه، لا أجد كلماتٍ أروع من تلك التي يبثها نبض قلبك للعالم، فهي تخرج من عمق الروح لتنعش أجسادنا المتعبة من متاهة السعي وراء كسب لقمة العيش.
يا عزيزي، في مجتمعاتنا المعاصرة، تسيطر فلسفة المال على تشكيل الفوارق الاجتماعية؛ تجد الثري وتجد الفقير، ولا توجد فئة وسطى، حيث يدعم المجتمع القضاء على الفقراء بترسيخ فلسفة للحياة لديهم في الحصول على الحد الأدنى للحياة الكريمة، والبحث عن تلبية الاحتياجات الجسدية، فينشغل الفقير يومًا بعد يوم بغلاء الأسعار، وارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة أسعار البترول، وندرة الدواء، فكلما احتمى من خطر، داهمه خطر آخر؛ فأصبح يجري مكانه في الدائرة، يبذل كل قوته لكنه يبقى في مكانه حتى يصاب بالإحباط ويصبح لا قيمة له.
بينما الأثرياء لهم عالمهم الخاص الذي لا أعرفه كي أصفه لك، ربما نكتسب معًا ثراءً فكريًا يؤهلنا لما هو أعلى من ذلك.
لعلك رأيت الصورة كاملة في تلك الفوارق، ولكن، ما رأيك أننا جميعًا بحاجة إلى بعضنا البعض؟
نعم، كي نخرج من غفلة المادة إلى صحوة الروح.
ألا ينبغي علينا أن نتحرر من القيود المادية التي شكلت وعيك الفكري، وأن نتطلع إلى آفاق أرحب؟
آفاق توقظ عقولنا وعقول الآخرين، تلك التي غفلت عنا في سبات عميق.
كيف لنا أن نكرر خطأ الطير الجائع الذي ينسى أن يحمد ربه على نعمة الاستمتاع بجناحين يطيران، وبجمال الرؤية القلبية والبصرية، ونعمة الإحساس بنسيم الهواء لأنه يسعى لكسب الطعام؟
إن الله خلقنا بقلوبٍ واعيةٍ وعقولٍ راقيةٍ لنتذوق أسمى معاني الحياة ونجعل التحديات سلمًا لرقي النفس، بدلاً من أن نغرق فيها، وبعيدًا عن الطبقية، فلنرتقِ بأنفسنا وننعم بالحكمة التي تفيض من بحر تجاربنا، فالنعمة الحقيقية تكمن في تذوق أسمى معاني الحياة، بالفكر والثقافة، وليس فقط سد الاحتياجات المادية.