مقالات متنوعة

ثورات الطلاب والشباب في العالم العربي والعالم

ثورات الطلاب والشباب في العالم العربي والعالم.

كتبته: د. ناهدة محمد علي

 

  نلاحظ أن أغلبية القائمين بالثورات الشعبية العربية هم من الطلبة والشباب، ولو بحثنا عن الأسباب الموضوعية والذاتية للرغبة في الثورة والإنتفاضة لوجدنا أنها تتمثل في الوضع القائم المثير للغضب، وخاصة الوضع الإقتصادي الهابط والذي خلق مستوى معيشي متدني وجمود في حركة الشباب في الشارع والبيت والمرافق الإنتاجية وأيضًا الأوضاع السياسية التي تُعد من أهم الأسباب.

يعتبر تواجد الشباب في الشارع العربي سببًا ونتيجة لهبوط المستوى الدراسي وهبوط الدافع الذاتي للدراسة وبسبب الفقر والبطالة أيضًا.

إن هبوط مستوى البرامج الدراسية وأساليب التعليم وتخلف المواد الدراسية لعدم متابعتها لما يجري في الحركة العلمية العالمية قد أدى إلى تسرب الكثير من الطلاب إلى الشارع، وكان انتشار البطالة بين الخريجين وعدم توفر فرص العمل لكافة التخصصات سببًا موضوعيًا آخر لثورة الطالب العربي حيث أصبح هذا الطالب مُحبطًا وغير مستفيد من تواجده الدراسي، لذا فهو يتجه إلى المقاهي ومقاهي الإنترنت.

ومن هنا يفتح الطالب أو الشاب نافذة واسعة على عالم أوسع، فهو يجد النظريات السياسية فيختار منها ما يلائمه، كما يجد كمًا كبيرًا من القيم الحديثة والثورية في مجالات السلوك والأخلاق والعلاقات العامة والخاصة ويختار منها أيضًا ما يناسبه.

كما يجد كمًا هائلًا من السلع الإقتصادية التي يفتقدها هو ومجتمعه، ويخرج “طالب الإنترنت” من كل هذا بمحصلة واحدة على اختلاف ما اختاره وهو أن كل ما شاهده وقرأه غير موجود في مجتمعه،  وأن مجتمعه يسير إلى الخلف، وأنه هو العنصر الأكثر غُبنًا في هذا المجتمع، في هذه الحالة شيئًا ما يجب أن يتغير.

ثورات الطلاب والشباب في العالم العربي والعالم.

وفي النهاية يقتنع الشاب وبفروق فردية بأن كل شيء يجب أن يتغير علَّ واقعه يتغير، ويصبح هذا الدافع هو نقطة ألم كبيرة له ولقناعاته، ويظهر هذا الألم والرفض أحيانًا على شكل تصادمات فردية في الشارع وبين الأقران أو مع الوالدين والإخوة.

وقد تتحول حالات الرفض إلى انفصال جزئي عن الوالدين أو الأصدقاء والأخوة، ويبدأ الشاب في محاولات تغيير فاشلة في الذات ومحيط الأصدقاء، وأقول فاشلة لأن المحيط الإجتماعي والإقتصادي هو نفسه لم يتغير ويحتاج الأمر إلى تغييرات هائلة للمحيط الخارجي حتى يستطيع الشاب أن يتحرك بسهولة لتحقيق توجهاته وقيمه الجديدة وعلاقاته ومستوى معيشته، لكن هذا النوع من القناعة في التغيير لن يأتي سريعًا أو فجأة بل يحتاج الى صعود “ترمومتري” بطيء وهذا ما حصل فعلًا.

إن رغبة الشباب العربي في التغيير جاءت على مدى سنوات عديدة منذ الخمسينات ومنتصف القرن الماضي، بدأت حينما بدأ الشباب المثقف يستمتعون بالموسيقى الغربية، يقلدون الموضة الغربية ويقرأون الأدب الغربي ويترجمونه، مع أن وسائل الإعلام كانت تنقل القليل من الأخبار عن الثقافة الغربية، إلا أن الصحف والمجلات كانت تنقل أخبار الثورات الديمقراطية وأخبار المخترعات العلمية العالمية.

إن الانفجار الإعلامي والثقافي أصبح قويًا منذ السبعينات، وقد تصاعد منذ بداية القرن الحالي حتى أصبح كالموج الهائل لا يمكن لأي سلطة أن تقاومه، فانتشرت المُترجمات ومراكز تعلم اللغات كذلك إنتشرت شركات الإنترنت، وأصبح العالم قرية صغيرة يُرى من نوافذها كل شيء، وقد شاهد الشباب العربي أنفسهم في الصفوف الخلفية للمتفرجين وليس الفاعلين ولم يرضهم هذا بالطبع.

إن إلقاء الضوء وبشكل سريع على الأوضاع النفسية والصحية للعالم العربي توضح لنا بأن نسبة كبيرة من المصابين بالمشاكل النفسية والصحية هم من الشباب، وقد لمست هذا في دول عربية كثيرة مثل العراق وليبيا والجزائر والخليج العربي ومصر، حيث يعاني الشباب هناك من الإدمان بكل أشكاله إبتداءً بالتدخين وإنتهاءً بالمخدرات ومن حالات الشذوذ الجنسي والكآبة وحالات الوسواس القهري.

ويعاني الشباب أيضًا من الأوضاع الصحية المتدهورة بسبب تدني مستوى المعيشة، وقد نتج عن هذا العديد من أمراض التغذية وجيل ضعيف من الشباب وأعداد كبيرة من المعاقين نتيجة للحروب الداخلية والخارجية في بعض بلدان عالمنا العربي.

أما الأسباب الذاتية لثورة الشباب فهي نتيجة حتمية للعلاقات الأُسرية والإجتماعية، وطريقة تنشئة الأبناء حيث لازالت الأسرة العربية تعتمد على الأساليب التربوية القديمة “العصا لمن عصى”، ولازالت السلطة الأبوية هي السائدة وتتحكم في تشكيل سلوك الأبناء ومصائرهم وتعتمد على التقاليد والأعراف القديمة، كما تلعب الظروف الجغرافية والحروب الطويلة والقهر السياسي أدوارًا كبيرة في تأطير وجمود التقاليد الإجتماعية وخاصة ضد المرأة.

 

الشباب في العالم العربي والعالم
الشباب في العالم العربي والعالم

أصبحت الأمزجة المجتمعية هي التي تقود المجتمع العربي إلى الخلف، وتقولب العلاقات الإجتماعية في قوالب جامدة،  وقد ساعد على هذا تدهور إقتصاد المجتمع العربي وعدم إنتاجيته مما جعل التقاليد المجتمعية صخرية غير قابلة للتغيير، وبقيت القيَّم الجديدة المجتمعية مجرد طموحات وأماني لفئات المثقفين والشباب الثوري، كل هذه كانت محفزات طويلة المدى تتفاعل تلقائيًا لتجعل الترمومتر العربي يغلي.

أود الإشارة الى أن المستوى الثقافي والعلمي قد اتسم ولسنوات طويلة بالسطحية وهذا ما جعل طموح الشباب متصلًا في البداية بالأشكال الظاهرية للحضارة مثل تغيير شكل السلوك الشبابي العام وتغيير وسائل التسلية وشكل الملابس.

ثم تطورت الطموحات من السطحية إلى الجذرية، أي البحث عن نظم إقتصادية وسياسية وتعليمية جديدة وتوفير فرص العمل للشباب العربي، وتغيير البرامج التعليمية والمواد الدراسية والتي أدت ولسنوات طويلة إلى المستوى التقليدي الهابط للخريج العربي، حيث يدرس الطالب العربي النظريات العلمية القديمة والحقائق المتغيرة والتي لم تعُد معاصرة، ويبدو أن هذا قد ساعد على قولبة المجتمع العربي وجعله يفكر ويعالج ويبني بأساليب قديمة أزاحها العلم المعاصر عن مجالات التطبيق.

إن الأسباب الموضوعية والذاتية متحدة تتفاعل في ذات الفرد العربي لتحرك المد الإنساني الهائل نحو الأعلى لكن مدى مصداقية الدوافع وقوتها هي وحدها من سيحدد إستمرارية هذا المد الثوري، ونلاحظ هنا أن الربيع العربي وما قبله وما تلاه لم يكن محظ صدفة بل هو عملية تراكمية للضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ومعروف أن الصولجان لمن بيده القوة الأمنية والعسكرية ولذا اختلت موازين القوى، فتغير المنحى إلى الإتجاه المعاكس للثورة رغم الدماء الغزيرة التي قدمها أولئك الشباب.

أما شبيبة العالم فعالمهم عالم الصراعات الاقتصادية والعلمية يراقب الطالب به كل التغييرات عن كثب وإلى أن يصل الى حد القناعة القصوى فلن يوقفه أحد، فهو قد يحرق المنظومة السياسية والاقتصادية، ولن يتوقف وإذا تساءلنا ما الفارق هنا عن الشباب العربي أقول لقد تربى هذا الشاب وبمصداقية على احترام الرأي داخل العائلة وخارجها، وتربى على منهج ديمقراطي لا يقبل المساومة، وهو إلى اللحظة الأخيرة مصدق بمبادئها حتى أُزيح النقاب عن تمثال الحرية فاكتشف بأنه ليس هو الوجه الذي قرأ عنه وهذا كاف لأن يخلع الشاب الغربي طاقمه المدرسي بأكمله.

  وكانت هناك خلفيات كثيرة بدأت بإطلاق الرصاص على المدرسين والطلاب من قبل الطلاب، وهذه كانت بوادر الرفض للإدارة التعليمية والسياسية، لكنها لم تكن هادفة أو مبرمجة بل بركانية.

أما اليوم فقد تعلم الطالب الغربي الدرس، وتأكد أن هناك ظلم كبير يحكم العالم وأن الروح الإنسانية هي واحدة غير مختلفة الدرجات، وأن واجبه أن يصحح الميزان.

ولا يجب أن نعجب فشريحة الشباب وبالأخص الطلاب هم المرحلة العمرية الأنقى والأشد والأوفى للضمير الإنساني، ولأنه لا مصالح ولا ممتلكات يخشى عليها ولا انتماءات سوى للضمير، ولا تطرفات عرقية أو دينية أو عنصرية، بل الغالب منهم يؤمنون بالوجه الواحد للإنسانية وإلا فلم يحرق شاب يملأه الطموح نفسه مناديًا حرروا غزة!!؟

 

نبذة عن الكاتبة

دكتورة ناهدة محمد علي نيوزيلندية الجنسية، عراقية الأصل، كاتبة وباحثة إجتماعية، تعمل بمجال الاستشارات النفسية.

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي