همَسَاتٌ مُخْتَنقةٌ بقلم: فَاطِمَة اسْكِيف نَسِيرُ فِي هَذَا الْعَالَم كَغُرَبَاءٍ، بَلْ كَعَابِرِي سَبِيلٍ، وَنَحْمِلُ فِي صُدُورِنَا نِيرَانًا لَا تَنْطَفِئ، وكَلِمَاتٌ قَدْ تَنْفَجِرُ فِي أَعَمَاقِنَا، فَتَنْمُو فِي صَمْتٍ قَاسٍ، كَصَرْخَةٍ مَكْبُوتَةٍ، فَنَبَحثُ لَهَا عَنْ أَرْضٍ لتَنْبُتَ فِيهَا، لَكِنَّنَا حِينَمَا نَهِمُ بِالنُّطْقِ، يَخْنُقُنا الصَّمْتُ الَّذِي يَمْلَأُ الْأُفُق، وَكَانَ الْكَوْن بِأَسْرِه يَأْمُرُنَا وَيَقُولُ : "لَا تَصْرُخُوا... دَعُوا الْهَمْسَ يَرْوي آلامَكُم" فَنَمُدُ أَجْنِحَتَنَا نَحْو السَّمَاءِ، وَلَكِنَّ سَقْفَ هَذَا الْعَالَمِ يَضِيقُ عَلَيْنَا، وَيَضْغَطُ عَلَى رُؤُوسِنَا، فَنَجِدُ أَنْفُسَنَا مُحَاصَرِين، وأَحْلَامُنَا تَسْقُطُ بَيْنَ أَرْضٍ بَارِدَةٍ وَسَمَاءٍ مُغَطَّاةٍ بِالظَّلَام، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْبَرُونَا عَلَى الصَّمْت!! وَنَحْن سَنَبْقَى كَأَشْجَارٍ تَقِفُ شَامِخَةً أَمَامَ الرِّيَاح العَاتِيَة، لَا تَنْحَنِي وَلَا تَنْكَسِر، وتَنْتَظِرُ الْعَاصِفَةَ بِقُلُوبٍ مُشْتَعِلَةٍ، وتَحْمِلُ بِدَاخِلِهَا قُوَّة الْكَوْنِ. ففِي هَذَا الْفَضَاءِ الْخَانِق، أَدْرَكْنَا أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ عَاصِفَةً! لَيْسَتْ انْفِجَارًا مُدَوِّياً! بَلْ هِيَ كنَهْرٍ جَارٍ فِي عُمْقِ الصُّخُورِ، صَامَتٌ، وَلَا شَيْءَ يَقِفُ أَمَامَهُ، لِيَتَقَدَّم بِبُطْءٍ، لِكَيْ يَصِلْ، لِكَيْ يَصِلَ إلَى بَحْرِ لَا تَحَكُّمُه الْحُدُودِ، وَإِلَى أُفُقِ لَا تُكَبِّلْهُ الْقُيُودُ. . .