القصة القصيرة العربية والفلسطينية في ظل التجارب والتوجهات الشبابية

القصة القصيرة العربية والفلسطينية
في ظل التجارب والتوجهات الشبابية
بقلم: وفاء داري
اعتدنا أن نقرأ ونرى الصورة في القصة القصيرة العربية من وجهة نظر الفئة اليافعة والشبابية وقصص الأطفال من خلال عيون وإبداع فئة جيل الكبار من الأدباء والكتاب.
ولم نعهد أو نعطي الأهمية الكافية لنقرأ للكُتاب اليافعين أو من هم في المرحلة الشبابية، ليتسنى لنا أن نرى التوجهات والتجارب من وجهة نظر الشباب واليافعين وحتى الأطفال أنفسهم.
وسأحاول من خلال هذا المقال تسليط الضوء للتوجهات والتجارب الشبابية والمضامين الأدبية التي عكست هذه الإبداعات من منظورهم ورؤيتهم الشخصية، حيث بدأ الاهتمام واضحًا لهذه الفئة الشبابية، وأصبح لها أثر ووجودًا في الساحة الأدبية.
وسنتطرق بشكل عام للقصة القصيرة العربية بشكل عام وللقصة الشبابية الفلسطينية بشكل خاص، والتي تتميز تجربتهم وتوجهاتها عن غيرها من الشباب لسائر الأقطار والبلدان العربية الأخرى، وواقعهم المعيش من خلال القصة القصيرة.
القصة القصيرة العربية والفلسطينية في ظل التجارب والتوجهات الشبابية
تعد القصة القصيرة سردًا واقعيًا أو خياليًا يعبر عن أحد الأحداث والتي تهدف إلى إمتاع القارئ وتثير فضوله، والتي تتكون من عدة عناصر إلى جانب الإثارة والتعقيد حيث تعد من أهم أساسيات كتابة القصة القصيرة، من أجل زيادة فضول القارئ الذي يدفعه إلى استكمال جميع أحداث القصة حتى النهاية.
إنّ القصّة القصيرة فنّ إبداعيّ أكثر قبولًا وتداولًا بين الشباب، وملائمة أكثر للتعبير عن التحولات الاجتماعية وغيرها بحرية.
وهي أكثر ملاءمة مع إيقاع العصر السريع سواء لمن يكتبها أو للمتلقي الذي ربما لم يعد يميل لقراءة الروايات الطويلة، ويمكن القول إن القصة القصيرة أقرب إلى الشباب وتوجهاتهم.
وقد ظلت لسنوات عديدة الصنف الإبداعي المفضل لدى الشريحة الأكبر من الشباب في مجتمعاتنا، وذلك لما يتصف به من سمات يعد معها قادرًا على أن يستوعب مضمون مخيلاتهم وأن يلبي متطلباتهم ويواكب الذائقة الأدبية لكل منهم.
وقد كانت التوجهات الشبابية في القصة القصيرة سواء العربية أو المحلية قد تناولت مجموعة من القضايا والموضوعات الجادة، مثل القضايا المحلية والوطنية والقومية التي تتعلق بمشكلات الأمة.
القصة القصيرة العربية والفلسطينيةفي ظل التجارب والتوجهات الشبابية
تناولت أيضًا المواضيع اليومية بما فيها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، كما تناولت هذه القصص قضايا كونية وعالمية وإنسانية وبيئية.
كما حملت هذه القصص رؤى واقعية ورومانسية وطبيعية ووجودية ودينية قيمية وأخلاقية. وعبرت عن مجموعة من القيم الإنسانية السلبية والإيجابية من خلال رؤى فلسفية تختلف من مبدع إلى آخر.
كما اكتفت بعض القصص القصيرة بالوصف وتشخيص الأدوار والعيوب والنواقص، بينما راحت أخرى تقدم حلولًا كان تطبيقها يتراوح بين الكائن والممكن والمستحيل.
أما من جانب القصة القصيرة الفلسطينية فنرى في أغلب السرد القصصي لتجارب الشباب الفلسطيني ما يصف لنا واقعه اليومي المؤلم وممارسات يد البطش حيث يراها بأم عينه وعلى مسامعه، وليست تشخيصًا لصور ومشاهد سمعها ورآها عبر الأثير في والوسائل الإخبارية والفضاء الأزرق.
فتكون تجربة القص واقعية أكثر والتعبير أصدق “فمن رحم المعاناة يولد الابداع” فأصبح توجهات هذه الفئة الشبابية محورها المقاومة، فلا يخلو إبداع أدبي فلسطيني مهما كان عنوان وموضوع هذه القصة بعيدًا عن الوطنية وتتمحور حول قضية اجتماعية أو عاطفية وغيرها من المحاور إلا وتطرقت للجانب المقاوم بشكل مباشر أو مبطن لوصف واقع مرير معيش.
القصة القصيرة العربية والفلسطينيةفي ظل التجارب والتوجهات الشبابية
وتعدد أشكال البطولة والشخوص والأحداث في وصف المشاهد اليومية من مواكب جنازات الشهداء في زمكان يتوحد فيه الواقع، ومن تقطيع أوصال الوطن بالجدار الفاصل ومعاناته مع الحواجز، ومن سجن وشهادة وفزع وخوف وتنكيل وهدم بيوت واعتقالات واقتحامات الجيش بلداتهم ليقتادوا أقاربهم أو أحد معارفهم وغيرها من الانتهاكات.
تربى هذا الجيل من مرحلة الطفولة ثم الشباب حتى مرحلة الكهولة بطلًا مقاومًا لا يهاب ولا يفزع، ليثبت أن القهر يصنع مقاومين، يسرد في قصصه أبطالًا يصنعون الحرية بل لا يهابون الموت والشهادة رغم عشقهم للحياة.
ومن إحدى النماذج لهذه التجارب الشبابية الفلسطينية:
نجده في قصة “حواجز حواجز” للشابة إسراء العمارنة والتي وردت في كتاب أصدرته عام 2023 بعنوان “صورة البطل في قصص أطفال فلسطين” صفحة 147.
وهي عبارة عن دراسة بحثية حيث تطرقت هذه الدراسة إلى عدة محاور للوقوف على رؤية الأطفال واليافعين والشباب، وتجاربهم وتوجهاتهم بين المأمول والموجود والمنشود وأن القهر يصنع الأبطال، من معاناة يومية يعيشها الشباب الفلسطيني.
حيث تطرَّق كثير من كُتَّاب القصة للكبار والصغار لواقع الاحتلال الذي يفرض الحواجز على الطرقات بل ويمنع الأهالي من الدخول والخروج من مناطق سكنهم للمناطق المجاورة.
هذا الواقع الذي يعيشه الفلسطينيين من الانتظار لساعات على الحواجز، في لهيب الشمس الحارقة، وبرد الشتاء القارس، تاركًا في النفوس جرحًا عميقًا، إلا أن هذا القهر اليومي يولِّد عنفوانًا وأبطالا..
“نزلت من الحافلة ونزل الرُّكاب، كانت الشمس تأكل أجسادنا وتصيبنا بالألم، كنت أشعر أن رأسي يسيح بفعل الحرارة، هناك كانت تجثو على الطريق أكوام من الرمال لا.. بل أكوام من الهموم، من الذُّل، تتراكم في منتصف الطريق على بُعد لا يتجاوز الأمتار كانت آلة الموت تترقب فريستها لهذا المساء”.
“كنت لازلت أخطو على الرمال المبتلة متجهة نحو الشاطئ حتى أعبر حاجز الموت. أكسب حياتي مع قليل من الذُّل أفضل من أن أفقدها ويقولون شجاعة، لا بل بلهاء، لا بل لا أعرف ماذا سيقولون؟ ولا أريد ذلك”.
تطرقت الشابة لقضية الحواجز باسم «حاجز الموت» الذي يُشعِرها بالذُّل لكنها تريد الحياة أن تستمر، وتُصوَّر هذا الألم الذي يعانيه الأطفال والكبار من هموم الذُّل على الحواجز، تُصوَّر الجندي بسلاحه على الحاجز كأنّه آلة موت تتربَّص بهم جميعًا وهو الواقع الذي يعيشه الفلسطيني بكل فئاته العمرية بشكل يومي.
القصة القصيرة العربية والفلسطينية في ظل التجارب والتوجهات الشبابية
ومن بعض النماذج المقتضبة الحديثة لتجارب وتوجهات الشباب العربي من خلال الوسائل الإعلامية والثقافية والأدبية للقصة القصيرة، ومن ضمنها مسابقة القصة القصيرة العربية لعام 2024.
تم اختيار الخمسة عشر المتأهلين للنهائيات لهذا العام من بين أكثر من 800 مشارك من الكُتاب من جميع أنحاء العالم، أذكر منهم:
– قصة “شتلات الموتى” للكاتب ناصر رباح شاعر وروائي فلسطيني.. صدرت له خمس مجموعات شعرية روايتان وقد ترجمت بعض أعماله إلى الفرنسية والانجليزية والاسبانية. ناشط في الحقل الأدبي في غزة حيث يعيش حاليًا.
– قصة “النسيء” للكاتبة عزة أبو الأنوار من مصر مصححة لغوية وكاتبة محتوى ليسانس دراسات إسلامية وعربية من جامعة الأزهر.
– قصة “فتى الحافلة ذو القَُشعْريرة” للكاتب حيدرة أسعد مترجم، ومحرر ثقافي، درس بكلية الطب جامعة دمشق.
– قصة “رغبات لا ينتج عنها إلا الألم” للكاتب حمزة الذهبي من المغرب، حاصل على الإجازة في علم الاجتماع وكاتب بحوث ومقالات وقصص.
وفي الختام أقول:
لا شك في أن الكتّابَ الشباب هم مؤلفون مبدعون منهم من نسج أحداثًا جرت في عالمنا، وهذه القصص تعبر عن واقع الإنسان العربي التَّعِس، فدور الشباب في هذا العالم هو الدور الأكبر فهم مستقبل الأمة القريب، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية التغيير المنشود لواقع مجتمع أفضل وأرقى وأكثر حرية وتقدما.
هم أداة فعالة للبناء والتنمية وإيصال الموقف الجريء وطرح العلاج لمشكلات المجتمع والأمة، بمنهج قويم وخلق سليم، وإيمان صادق.. فيجب إعطاء المساحة والدعم لهذه الطاقات الإبداعية من خلال والوزارات والمراكز والأندية الثقافية.
السيرة الذاتية
بطاقة تعريف للأكاديمية وفاء شاهر داري كاتبة وباحثة من فلسطين
• من مواليد العيساوية – قضاء القدس.
• باحثة في اللغة العربية وآدابها.
• حصلت على درجة الماجستير من أكاديمية القاسمي في باقة الغربية في الداخل الفلسطيني.و حصلت على مرتبة الشرف لتفوقها في دراستها الأكاديمية في الدراسات العُليا للتعليم والتعلُّم.
• عضو مجموعة من الأندية الثقافية والأدبية العربية والدولية
• شاركت إصداراتها في عدة معارض دولية للكتاب عام ٢٠٢٣/٢٠٢٤، ومنها فلسطين والشارقة والقاهرة والعراق ومسقط وعمّان وطرابلس- ليبيا.
• أصدرت عدة مقالات أدبية وقراءات تحليلية نشرت على صعيد واسع في الصحف والمجلات الإلكترونية والورقية والمنصات الأدبية. ويشار فوز الكاتبة في مقال نقدي ضمن مشاركة كبار النقاد والأدباء على المستوى الوطن العربي في أيلول ٢٠٢٤، وحصولها على الرتبة الثانية.
– المؤلفات :
. “صورة البطل في قصص أطفال فلسطين” : دراسة. مؤسسة شمس للنشر والإعلام،٢٠٢٣.
. “العنقاء تروي قصصًا وعبرًا” :
- SHAMS-PUBLISHING- German- قصص. موسسة شمس للنشر،ألمانيا،٢٠٢٣.
. “جبر الخواطر” :نصوص أدبية وقصائد نثرية، دار الولاء للنشر والتوزيع ،مصر،٢٠٢٤.
. “العقد الثمين من الذكر المبين” : مؤسسة شمس للنشر والإعلام، القاهرة،٢٠٢٤.
. “إطلالات” نصوص أدبية
. “ويبقى الأثر” خطرات نثرية حداثية
. القيم الأخلاقية في مناهج كتب اللغة العربية للمراحل الإعدادية، (قيد الدراسة).













