أدبي

الرجل الذي باع شيئًا لا يُرى

 

لم يكن “نبيل” مختلفًا عن باقي الناس. وجه عادي، وظيفة رتيبة في مكتب أرشيف حكومي، حياة تمضي ببطء، بلا أحداث تُذكر، ولا أحلام تُروى. يخرج من بيته كل صباح، يعود كل مساء، يجلس في نفس المقعد داخل نفس المقهى، كأنه يعيش نسخة مكرّرة من اليوم السابق.

 

في إحدى الليالي، وبينما كان يرتشف قهوته بصمت، جلس إلى جواره رجل غريب الملامح، أنيق الهيئة، لكن عينيه تحويان شيئًا لا يمكن وصفه. قال له بهدوء:

 

– “أبحث عن شيء تملكه أنت.”

ضحك نبيل ساخرًا: – “أنا؟ لا أملك شيئًا يخصني إلا هذه القهوة المُرّة.”

– “بل تملك ما لا يملكه كثيرون… نفسك.”

 

صمت نبيل للحظة، ثم تمتم:

– “نفسي؟ ومن يشتري ما لا يُرى؟”

ردّ الغريب بنبرة واثقة:

– “هناك من يعرف قيمتها… وسيمنحك مقابلها كل ما حلمت به يومًا.”

 

مدّ إليه ورقة بيضاء، وقلمًا، وقال:

– “وقّع فقط، وستُفتح لك أبواب الحياة.”

 

ووقّع.

 

تبدّلت الأيام. ترقّى نبيل في عمله بشكل مفاجئ، بدأ الناس يلاحظونه، يحادثونه، يدعونه إلى أماكن لم يكن يُدعى إليها من قبل. صار محبوبًا، ناجحًا، يضحك كثيرًا، يتحدث بثقة، وينظر إلى العالم من أعلى.

 

لكنه في أعماقه، كان يشعر بأن شيئًا ما قد اختفى.

 

لم يعد يحزن، نعم، لكنه لم يعد يفرح أيضًا. صوته صار بلا نبرة، ضحكته بلا روح، ونظرته كأنها تنظر من خلف زجاج غائم. كل شيء يسير كما يجب، لكنّه لم يعد يعرف لماذا.

 

وذات ليلة، جلس في المقهى نفسه، في المقعد ذاته، وأمسك بدفتره القديم، وكتب بخط مرتجف:

“لقد بعت نفسي… لكن من يسكن هذا الجسد الآن؟”

أسماء سعد

كاتبة مصرية مهتمة بالفلسفة والهوية الثقافية لدمياط، تكتب مقالات أدبية وتأملية، حول الأعلام، وصحابة أسلوب صحفي مميز، وتمزج بين النثر والشعر، ولها أيضا كتابات تاريخية. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي