ما كان صباح ذلك اليوم كسائر الأيام؛ فقد خرجت الشمس متثاقلة، كأنها تخشى أن تطلّ على أرضٍ فقدت شيئًا من بهجتها، أو كأنها تهاب أن تلمس بنورها قلبًا قد استحال ظلامًا دامسًا.
وكانت هي تمشي بين الأشجار، لا تكاد ترى ما حولها، كأنما انطفأت الدنيا من عينيها، أو كأنما حجبتها عنها غمامة كثيفة من الحزن. حتى إذا بلغت المقعد الخشبي الذي طالما جلسا إليه، وقفت وقفةً قصيرة، ثم جلست وجلست معها الآهات، وجلس معها قلب لم يعرف الراحة منذ ذلك اليوم.
وكانت الحديقة ساكنة إلا من أنين الريح بين الأغصان، ومن وقع أقدام عابري السبيل يمضون في طريقهم، لا يشعرون بما في نفسها من صراعٍ عنيف بين ذكرى تريد أن تنساها، وواقع يأبى أن يتركها. هنالك، مدت يدها المرتجفة، فأخرجت كوبين من حقيبتها، كما كانت تفعل في أيام اللقاء، وأفرغت فيهما شيئًا من القهوة. ما أعجب ما تصنع العادة بالنفس! إنها تمضي بها إلى ما لا نفع فيه، وتجعلها أسيرة لما مضى وإن كان الموت قد طواه.
حدّقت في البخار المتصاعد من الكوب، فإذا هو يذكّرها بأن للحياة طبيعة غريبة؛ تنبثق دفعة واحدة في حرارةٍ وحركة، ثم لا تلبث أن تخبو وتزول. فكرت في ذلك، وأرسلت بصرها إلى المقعد المقابل، فإذا هو خالٍ كما لم تره قطّ من قبل. وما كان فراغه فراغ خشبٍ لا يجلس عليه أحد، ولكنه فراغ القلب من الروح التي ألفها، والظل الذي كان يظلّلها من لهيب الأيام.
وتساقطت عليها الذكريات تساقط المطر إذا هاجت به الريح. رأت نفسها جالسة هنا منذ أشهر، ترتقب قدومه، وتُخفي اضطرابها في رشفاتٍ سريعة من القهوة. وكان هو يجيء مبتسمًا، فيدنو منها، ويقول في نبرةٍ ما زالت ترنّ في أذنها:
ــ القهوة لا تكتمل إلا بحديثك.
فتضحك ضحكة قصيرة، لا تدري أكانت تخفي بها حبًّا يفيض من قلبها، أم رجاءً بأن يدوم اللقاء.
وتحوّلت الذكرى فجأة إلى مشهدٍ آخر، مشهد لم يزل ينهش قلبها منذ رأته أول مرة. كان يجلس قبالتها، كما يجلس اليوم في خيالها، غير أن في عينيه يومئذٍ شيئًا لم تعرفه من قبل: ظلّ حزنٍ عميق، أو لعله ظلّ هزيمة. وكانت الكلمات تتأبى عليه، كأنما كل حرفٍ يريد أن يجرحها وهو يخرج. ثم قالَ في صوت خافتٍ كأنه صدر عن أعماق وادٍ بعيد:
ــ لا أستطيع الاستمرار.
هنالك شعرت أن الدنيا قد انقلبت، وأن المقعد قد انخسف بها، وأن الأشجار قد جفّت في لحظةٍ واحدة.
حدّقت فيه، لم تقل شيئًا، لم تفعل شيئًا، إلا حين خرجت من شفتيها كلمة واهنة، أشبه بالنشيج:
ــ لماذا؟
وسكت، وسكتت معه الأرض والسماء، ثم أطرق رأسه، وهمس كمن يخاطب نفسه:
ــ أحيانًا، الحب لا يكفي.
الحب لا يكفي! أيّ جملة هذه التي حطّمت كل رجاء؟ أيمكن أن يكون في الأرض حبّ ثم لا يكفي؟ أيمكن أن يبقى القلب حيًّا وقد نُزعت منه اليد التي كانت تسنده؟ لم تفهم يومها، ولا هي تفهم اليوم، إلا أن شيئًا انكسر في داخلها، ولن يُصلح الكسر إلا موت يطويها أو زمن لا آخر له.
مر الوقت وأفاقت من خواطرها على نسمةٍ باردة لامست وجنتيها، كأنها أصابع القدر تسخر منها، أو كأنها لمسة حانية تقول:
“هوني عليك”، فابتسمت ابتسامة باهتة، وأرسلت طرفها نحو الأفق، فرأت الشمس تميل إلى الغروب؛ كأنما تغرب عن حياتها معها. نهضت عندئذٍ ببطء؛ نهضت كمن يحمل على كتفيه أعباء العالم، وألقت نظرة أخيرة على المقعد، فأحسّت أنه ليس خشبًا، بل جرحًا مفتوحًا ينزف ولا يندمل.
ومشت، ولم تلتفت. لو التفتت لرأت ظلّين يتحادثان في خيالها، ولسمعت في الريح رجع ضحكةٍ كانت لها عزاءً في دنيا قاسية. وما كانت تدري وهي تمضي أنَّ الغياب لا ينتهي عند لحظة الفراق، وإنما يبدأ منها، وأن الحزن لا يخفّ بمرور الأيام، وإنما يتجذّر، كما تتجذَّر الشجرة في صخرٍ صلدٍ لا يعرف الرحمة.
ذلك المقعد الذي كان شاهدًا على أحاديثٍ لا تُحصى، صار الآن شاهدًا على صمتٍ أبديّ، صمتٍ لا تحطّمه الرياح، ولا تكسره الذكرى، بل يظلّ هناك، يروي للأشجار وللريح قصة قلبين كانا يلتقيان؛فافترَقا، فلم يبقَ منهما إلا صدى بعيد يتيه في فضاءٍ لا نهاية له.
رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.