أدبيثقافة

الـمَشْهَدُ الثَّانِي “رُكُوعٌ عِنْدَ بَوَّابَةِ الكِبْرِيَاءِ”بقلم:هِنْدُ زَيْدَانْ

 

 

الـمَشْهَدُ الثَّانِي “رُكُوعٌ عِنْدَ بَوَّابَةِ الكِبْرِيَاءِ”

وَتَمْضِي الحِكَايَةُ…
لَكِنَّهَا لَا تَنْتَهِي، لِأَنَّهَا لَمْ تَبْدَأْ أَصْلًا فِي نَظَرِهَا.
هُوَ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ فِي سُطُورِهَا هَامِشًا،
وَفِي عَيْنَيْهَا تَفْصِيلَةً،
وَفِي يَوْمِهَا عَادَةً لَا أَكْثَرَ.

 

يَمُرُّ بِجَانِبِهَا فَتَتَجَاهَلُهُ،
فَتَنْتَفِضُ رُوحُهُ كَالطِّفْلِ حِينَ تَغْفُلُ أُمُّهُ عَنْ لَمْسِهِ،
يَخْشَى أَنْ يُمْحَى مِنْ ذَاكِرَتِهَا،
فَيَصْنَعُ مِنْ صَوْتِهِ ظِلَّ حُضُورٍ،
يُرَتِّبُ الكَلِمَاتِ كَيْفَ تُرْضِيهَا لَا كَيْفَ تُعَبِّرُ عَنْهُ،
يَمْدَحُهَا كَمَا يُمْدَحُ الغَيْمُ،
وَيُذِلُّ نَفْسَهُ كَمَا يُذَلُّ العَبِيدُ حِينَ يُرْجَوْنَ الرِّضَا.
هِيَ لَا تَقُولُ لَهُ “تَقَدَّمْ”…
يَكْفِي أَنْ تَرْفَعَ حَاجِبَهَا،
أَنْ تَنْفُخَ بِمَلَلٍ،
أَنْ تَنْظُرَ إِلَى سَاعَتِهَا،
فَيَقْفِزُ مِنْ مَكَانِهِ،
يَتَفَقَّدُهَا،
يَتَفَحَّصُ مِزَاجَهَا،
يَرْجُو بَقَايَا الِالْتِفَاتَةِ…
أَوْ حَتَّى أَنْفَاسَهَا المَارَّةَ بِجِوَارِهِ.

 

لَكِنَّهَا لَا تَمْنَحُهُ نَظْرَةً،
وَلَا تَتْرُكُ لَهُ فُسْحَةً فِي عَيْنَيْهَا،
فَكِبْرِيَاؤُهَا لَا يَسْمَحُ حَتَّى بِاهْتِزَازِ رَمْشٍ مِنْ أَجْلِهِ،
وَإِنْ رَأَتْهُ، لَا تَرَاهُ…
وَإِنْ لَمَحَهَا، تَزْدَادُ عُمْقًا فِي التَّجَاهُلِ.
فَهُوَ عِنْدَهَا مُجَرَّدُ ظِلٍّ… لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُضَاءَ بِنَظْرَةٍ.

 

تَقُودُهُ بِخَيْطٍ،
خَيْطٍ لَا يُرَى،
لَكِنَّهُ يَلْتَفُّ حَوْلَ رَقَبَتِهِ كَطَوْقٍ لَا خَلَاصَ مِنْهُ،
يَزْدَادُ إِحْكَامًا كُلَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنْهَا،
فَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ المَسَافَةَ لَا تُقَاسُ بِالخُطُوَاتِ،
بَلْ بِقَدْرِ الكَرَامَةِ المَهْدُورَةِ فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهَا.

 

إِنْ ضَحِكَتْ…
رَكَضَ لِيَلْتَقِطَ الضَّحْكَةَ مِنَ الهَوَاءِ،
كَأَنَّهَا كَنْزٌ،
كَأَنَّهَا وُلِدَتْ لَهُ وَحْدَهُ.

 

وَإِنْ صَمَتَتْ…
خَرَّ يَتَأَمَّلُ مَلَامِحَهَا كَمَنْ يَقْرَأُ الطَّلَاسِمَ،
يَبْحَثُ فِي سُكُونِهَا عَنْ أَمْرٍ،
عَنْ سَطْرٍ مَخْفِيٍّ بَيْنَ خُطُوطِ وَجْهِهَا.
وَإِنْ مَشَتْ، مَشَى خَلْفَهَا،
وَإِنْ جَلَسَتْ، وَقَفَ يَنْتَظِرُ إِذْنًا وَهْمِيًّا بِأَنْ يُلْقِيَ بِجَسَدِهِ عَلَى كُرْسِيِّ الحَيَاةِ.

 

هِيَ لَا تَأْمُرُهُ،
بَلْ تُحَرِّكُهُ كَمَا تُحَرِّكُ الرِّيحُ وَرَقَةً سَقَطَتْ مِنْ شَجَرَةٍ،
تَتَمَايَلُ كَمَا تَشَاءُ،
وَالوَرَقَةُ لَا إِرَادَةَ لَهَا…
هِيَ فَقَطْ تَسْقُطُ.
هِيَ لَا تَقْتَرِبُ…

لَا تُنَادِي… لَا تَكْتُبُ…

وَلَا تَمْنَحُهُ حُبًّا، وَلَا تَمَسُّ مَشَاعِرَهُ بِشَيْءٍ،

هِيَ تَتَرَفَّعُ عَنِ العَطَاءِ، وَتَزْدَرِي حَتَّى الشَّفَقَةَ،
فَكِبْرِيَاؤُهَا مَقَامٌ لَا تَطَالُهُ حَاجَتُهُ،

وَسُمُوُّهَا لَا يَلْتَفِتُ لِعَبْدٍ يُسَاقُ بِالرَّغْبَةِ وَلَا يُدْرِكُ الحُدُودَ.

 

وَمَعَ ذَلِكَ، مَا زَالَ يُسَاقُ إِلَيْهَا مِنْ بَعِيدٍ،
مَا زَالَتْ تُدِيرُهُ مِنْ مَكَانِهَا،

كَأَنَّ سَنَوَاتٍ مَضَتْ لَمْ تُضْعِفْ سُلْطَانَهَا،

وَكَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ عَقَدَ عَهْدًا أَلَّا يُشْفَى مِنْهَا.

 

هُوَ لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ حَتَّى صَوْتَهُ،
صَارَ صَدًى لِمَا تُرِيدُهُ،
رَجُلًا مُفَرَّغًا مِنَ الرُّجُولَةِ،
مُمْتَلِئًا بِالحَاجَةِ،

مَسْكُونًا بِهَاجِسِهَا،
يَعِيشُ عَلَى هَامِشِ لَحْظَةٍ تَقْبَلُ فِيهَا أَنْ تَنْظُرَ لَهُ،
أَنْ تُشِيرَ لَهُ… أَنْ تَسْتَدْعِيَهُ كَمَا يُسْتَدْعَى الخَدَمُ دُونَ كَلَامٍ.

 

وَسَيَبْقَى…
فَالحِكَايَةُ لَمْ تُكْتَبْ لِتَنْتَهِيَ،

بَلْ لِنَبْقَى نَرَاهَا تَتَكَرَّرُ فِي صُوَرٍ لَا تُحْصَى:
فِي مَجْلِسٍ هِيَ فِيهِ المُتَحَدِّثَةُ الوَحِيدَةُ،

وَهُوَ مُنْصِتٌ يَتَصَنَّعُ الفَهْمَ.

 

فِي وَلِيمَةٍ تَمْشِي فِيهَا بِكِبْرِيَاءَ،

وَهُوَ خَلْفَهَا يَتَفَقَّدُ خُطُوَاتِهَا.
فِي نَظْرَةٍ تُلْقِيهَا إِلَى غَيْرِهِ،

 

فَيَنْكَمِشُ قَلْبُهُ وَيَغَارُ كَعَبْدٍ خَائِفٍ.

 

فِي قَرَارٍ لَا يُسْتَشَارُ فِيهِ، لَكِنَّهُ يَتَظَاهَرُ بِالمُوَافَقَةِ،

كَيْ لَا يُغْضِبَهَا.

 

هُوَ هُنَاكَ…
وَسَيَبْقَى هُنَاكَ…
خَيْطٌ فِي يَدِ سَيِّدَةٍ…
لَا تُجِيدُ الِانْحِنَاءَ، وَلَا تَمْنَحُ لِأَحَدٍ امْتِنَانًا،
وَلَا تُفَرِّطُ بِكِبْرِيَائِهَا لِأَجْلِ قَلْبٍ يَتَدَلَّى تَحْتَ قَدَمَيْهَا.

وَمَا دَامَ المَشْهَدُ مُسْتَمِرًّا،
فَكُلُّ لَحْظَةٍ تَحْمِلُ ذُلًّا جَدِيدًا،
وَانْقِيَادًا أَفْعَمَ،
وَلَا نِهَايَةَ..

حنان الشيمي

كاتبة صحفية وروائية مصرية، خريجة جامعة الأزهر. لها مساهمات كثيرة في عدد من الصحف الإلكترونية والجرائد، وتركّز في كتاباتها على قضايا المرأة، الأسرة، والعلاقات الإنسانية. صدر لها العديد من الروايات والكتب الدينية، التي تجمع بين الطرح الأدبي والمعالجة الفكرية. إلى جانب نشاطها الصحفي والأدبي، تشارك في تقديم محاضرات وندوات تثقيفية في مجالي الصحة النفسية والسيرة النبوية. المستشار الفني لجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي