أدبي

في حضرة ملاك

محمد باقر محسن

في حضرة ملاك

الكاتب: محمد باقر محسن

في أطراف المدينةِ حيثُ ينتهي الإسفلت وتبدأُ الحكاياتُ المنسية، كانَ هناكَ بيتٌ صغيرٌ تقطنهُ امرأةٌ عجوزٌ تُدعى صفية.

لمْ تملكْ منَ الدنيا إلا قِطتها الرمادية التي تتكئُ عليها مساءً.

كانتْ صفية معروفةٌ في الحيِّ بشيءٍ غريب, كلَّ يومٍ قبلَ غروبِ الشمسِ تضعُ طبقاً منَ الطعامِ أمامَ بابِ منزلها, ثمَ تجلسُ على كُرسيها الخشبي وتسرحُ في المدى البعيد وحينَ تتعبُ من الانتظارِ تدخلُ تاركةً الطعامَ خارجاً, لا أحدٌ يعلمُ لِمنْ هذا الطعامَ ولا أحدٌ يجرؤُ على السؤال.

مرَّتْ السنواتُ والناسُ اعتادوا المشهدَ حتى جاءَ كريم أستاذُ اللغةِ العربية، شابٌ انتقلَ حديثاً إلى مدرسة الحي.

كانَ فضولياً بطبعهِ لا يتركُ سؤالاً دونَ إجابة.

راقبَ صفية أياماً ولاحظَ أنَّ الطعامَ يختفي كلَّ مرةٍ لكنْ لمْ يَرَ أحداً يقترب.

في مساءٍ بارد, حَزمَ أمرهُ مُصَمِمَاً على كَشْفِ هذا الغموضِ الذي يُغَلِّفُ هذا التصرُّفَ اليومي لدى السيدة صفية دونَ أنْ تَكِلَّ أو تَملَّ.

وذاتَ يومٍ وهو عائدٌ منْ مدرستهِ مرَّ عليها مُسلماً مُستفسراً عن أحوالها, وفيما إذا كانَ بإمكانهِ مُساعدتها في أمرٍ ما تحتاجه.

كانتْ صفية امرأةً هادئةً تُغَطِّي وجهها ملامحُ الطيبةِ والوَقارِ, مع مَسحةِ حُزنٍ دفينة لم يستطعْ وهو الحاذقُ في اللغةِ والحديثِ أنْ يعرفَ عن حياتها شيئاً يبني عليه تَصوُراً أو تفسيراً لِما تفعلهُ تلكَ المرأةُ بشكلٍ يومي.

غادرها وهو يسبحُ في التأويلِ والتوقَّعِ وكَشْفِ سِرِّ هذا التصرفِ الإنساني النبيل.

مساءً وقبلَ الموعدِ المُتوقعِ لوضعِ الطعامِ خرجَ ليختبئ وراءَ أعوادِ القصبِ الكثيفة حابساً أنفاسهُ, خِشيةَ أنْ يُفتضَحَ أمرهُ وتضيعَ عليهِ الحقيقةُ التي يَنشُدُها.

ويمرُّ الوقتُ, وللمساءِ وحشةٌ ورهبةٌ, وصفيرُ الريحِ بينَ أعوادِ القصبِ يُضفي على المكانِ شيئاً منَ الرهبةِ والخشوع, وعيناهُ مُسمرةٌ على زُوادةِ الطعامِ التي وضعتها صفية على جانبِ الطريق الضيّْق.

وفي لحظةٍ غالبهُ النُعاسُ, فتح عينيه بعدها, لكنّهُ لمْ يجدْ أثراً لزوادةِ الطعام تلك.

أوجسَ في نفسهِ خِيفةً وتذكَّرَ قِصصَ الجانِ التي كانتْ تقُصُها عليه جدتهُ ليالي الشتاء.

ذهبَ إلى البيتِ مَهزوماً ليَعودَ في الليلةِ التاليةِ ليتكرَّرَ المشهدُ بنفسِ التفاصيل والترتيب.

أُسْقِطَ في يدهِ، فذهبَ للسيدةِ صفية يرجوها أنْ تشرحَ لهُ ما عجزَ بصرُهُ عنْ تفسيره.

ابتسمتْ صفية ومِسحةٌ منَ الدمعِ غَطَتْ عينيها اللتانِ عَجِزَ الزمنُ عنْ وأدِ الأملِ فيهما, وسألتهُ أنْ يكونَ ما ستقولهُ لهُ سِراً إلى أنْ يأخذَ اللهُ أمانتها.

وعدها بما طلبتْ وراحَ يلتقطُ كلماتها بقلبٍ مفتوحٍ وعينينِ تُراقبُ كلَّ حركةٍ منها.

يا بُنيَّ, لقدْ عِشتُ مع زوجي وولدي الوحيد حياةً قاسيةً, زوجي كانَ مُقعداً وكنتُ أعملُ ليلَ نهارَ لتوفيرِ ما يحتاجهُ هو وولدي.

لمْ يكنْ لديَّ أحدٌ يُساعدني وكانتْ نهايةُ ابني أمامَ عينيَّ, وهو الذي يحتاجُ الطعام الذي عجزتُ عنْ توفيرهِ بعدَ أنْ أهلكنيَ المرض.

ومِنَ يومها عاهدتُ اللهَ أنْ أصنعَ زُوادةَ الطعامِ هذهِ بشكلٍ يومي, كأنَّ زوجي وولدي ما زالا على قَيدِ الحياة, ليقتاتَ بها الكثيرَ مِنَ المِعْوَزينَ في هذا الريفِ البسيط والفقير.

يُتابعُ الأستاذُ حديثها بصمتٍ وجلالٍ وكأنَّهُ يجلسُ في حضرةِ مَلاك, ليسألها عن سرِّ عَدَمِ مُشاهدتهِ مَنْ يأخذُ الطعامَ في كلِّ مرةٍ حاول فيها معرفة ذلك.

تبتسمُ صفية بوقار: يا بُنيَّ, سألتُ اللهَ مرةً ورَجَوْتُهُ أنْ يكونَ ولدي الصغير هو من يأخذُ الطعامَ ويُوزعِهُ, وبهذا تكونُ روحُ ابني خالدةً في الجنة وبهذا أضمنُ حياةَ الكثيرِ مِنَ الناسِ الذين سيُعانوا لو لمْ نكنْ بهذا القدْرِ مِنَ المسؤوليةِ والإحساسِ بهمومِ الناسِ وحاجياتهم.

ولقدْ حقَّقَ اللهُ أُمنيتي, وها أنا أرى طَيفَ ولدي كلَّ يومٍ وهو يأتيني في الموعدِ الذي لا أَخْلِفُهُ أبداً.

أَطرقَ الأستاذُ كريم رأسهُ بالأرضِ وانسحبَ بهدوءٍ, وكثير منَ الأسئلة يجولُ بها عقلهُ الباطن مُردداً في سريرتهِ: ماذا لو كُنَّا جميعاً مِثْلَ صفية؟

شيماء الجمل

شيماء الجمل، حاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال – تخصص إدارة مالية من الأكاديمية العربية. تعمل في تقييم الأعمال الأدبية، بدور نشر متعددة، ولها مساهمات في نشر وتحرير كتب مجمعة. نشرت قصصًا قصيرة في كتب إلكترونية ومطبوعة، وتشغل حالياً مسؤولية القسم الأدبي في جريدة العدد الأول. تهتم بالسرد الأدبي والكتابات الثقافية المتنوعة.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي