أدبي

الباب الموصود

الباب الموصود
بقلم: سمر سعيد

خلف ذلك الباب الموصود سكنت حيرتي وفضولي، حينما وطأت قدماي أرض تلك الجزيرة بحثت مرارا وتكرارا عن منزل يأويني، لكن طلبي كان دربا من دروب الخيال؛ فجميع المنازل تسكنها العائلات فقط، ومن يملك شقة فارغة يرفض بحجة أنني أعزب لا عائلة لي، فكيف أسكن جوار العائلات وأتطلع على حرماتهم. أقسمت لهم آلاف المرات أنني سأصبح كالأعمى والأصم بينهم، لكن هيهات، لم أجد سوى الرمال فرشا لجسدي، أتدثر ببعض الإيمان أن الله لن يخذلني.

اتخذت من البحر خليلا لي، أشكو إليه حالي وما يجول بداخلي، الشمس نور منزلي الوهمي، صنعت بعض الصداقات مع الطيور والأشجار فالبشر نبذوني، إلى أن استجاب الله لدعائي، أو وضعني داخل اختبار لا أعلم إن كنت سأقوى عليه أم سيهزمني، وجدت أحد سكان الجزيرة يخبرني أنه وافق على منحي منزلا من منازله بشرط واحد، أجبته وعيناي ترقص فرحا
– موافق دون أن أعرف. أخبرني
– كل المنزل ملك لك، ما عدا غرفة واحدة، غير مسموح لك بفتحها ولا المساس بها، وافقت على شرطه، فلا يوجد ضرر من استئجار منزل بمبلغ زهيد مقابل البعد عن غرفة واحدة.

صافحته ثم حملت أمتعتي متوجها نحو ذلك المنزل، هيئته لا بأس بها، يحوي ثلاث غرف، إحداهما الغرفة المحرمة، بابها لونه كالبحر، به بعض الأثاث. تركني صاحب المنزل بعدما أخذ عليّ عهدا ألا أقترب من تلك الغرفة.
رتبت المنزل وحمدت الله على استجابته لدعائي، وحينما حل المساء كنت قد انتهيت من كافة الترتيبات وإعداد الطعام فقد تعلمت الاعتماد على نفسي بعدما أصبحت وحيدا، دلفت إلى المطبخ لإحضار الطعام، إلا أنني تسمرت أمام تلك الغرفة؛ أصوات تخرج منها كصوت الأمواج، ألصقت أذني بذلك الباب علني مخطئ، إلا أنني سمعت غناء عذبا، جلست أرضا بجواره لأستمتع بهذا الصوت العذب، كانت تغني وهي تنادي على من تركها وحيدة تبحث عن حبها الضائع، انتابني فضول، لكن الصوت اختفى كأن لم يكن، ألصقت أذني به جيدا، لكن بلا فائدة، خشيت أن أخبر صاحب المنزل بما حدث يظن أنني حنثت بوعدي له وانتهكت حرمة الغرفة، لكن تُرى، من يسكن تلك الغرفة، وما هذا الصوت العذب الصادر من خلف ذلك الباب، ما هذا الطنين، تُرى، ما سمعته واقعا أم خيالا؟!

لا أعلم ما هذا الشعور الذي ينتابني، أشعر بوجود أنفاس تحيط بي، أصوات الأمواج تطن بأذني، لا أعلم من أين تأتي تلك الأصوات، لكن كل ما أعرفه أن هذه الغرفة تخفي سرا عظيما.

مرت سبعة أيام، وحينما تدق الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل أسمع صوتها الشادي وهي تغني، أمواج البحر تهدأ لصوتها، سبع رخاء ملأوا حياتي تمنيت أن تدوم إلى الأبد. إلا أن شيطاني وسوس لعقلي أن أحنث بالوعد لأكتشف ما تخفيه تلك الغرفة.

ما إن وضعت يدي لأدير مقبض الباب حتى تحول إلى مقبض من نار وسم باطن يدي، صرخت من شدة الألم، جحظت عيناي، كيف تحول هذا المقبض لجمرة من نار؟!
نظرت لباطن يدي لأجد علامة تشبه حورية البحر طبعت بها. أغمضت عيني وعاودت فتحها علني أهذي أو شُبِّه عليّ، لكنها ظهرت أكثر وضوحا، تحول لونها إلى اللون الأسود كأنه وشم دُق باحتراف، حاولت إزالته إلا أنني كلما حاولت ذلك زاد حجمه حتى رسمت تلك الحورية على كامل ذراعي.

تجمدت أوصالي حينما سمعت صوت صاحب المنزل ينادي، بدلت ملابسي بملابس تخفي ذلك الوشم ثم توجهت نحو باب المنزل لأجد صاحب المنزل على وجهه علامات غير مفهومة كأنه يعلم ما فعلته وأحاول إخفاءه، دلف إلى الداخل دون أن ينطق بحرف واحد، تبعته كالمجذوب،
وصل إلى باب الغرفة المحظورة ثم سألني:
– لمَ خنت العهد؟!
جف حلقي حينها، خرجت الحروف متقطعة:
– ل..ل..لم أخن عهدك
جذب ذراعي نحوه ليكشف ما سترته ملابسي
– لقد وشمتك كما وشمتْني من ذي قبل، اليوم سوف أهديك لها قربانا حتى أستعيد حياتي.
تجهمت ملامحي حينما أنهى آخر كلماته، ضحك حتى اهتز جسده ليردف قائلا:
– سوف أخبرك السر، منذ خمس سنوات كنت أسكن هذا المنزل مع زوجتي وطفلي، نحيا بسعادة وراحة بال، بأحد الأيام أثناء صيدي للأسماك بشبكتي التي غزلتها زوجتي، وجدت لوحة لحورية بحر رائعة الجمال، فتنتني ملامحها وجمالها الأخاذ، عدت بها إلى المنزل وكأنني وجدت كنز سليمان، أسكنتها جدار منزلي كما أسكنتها جدار قلبي، وحينما دقت الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، سمعت صوت غناء شجي، تبعت الصوت، لأجد فتاة نصفها أنثى ونصفها الآخر سمكة، تغني أمام سرير صغيري. فركت عيني عندما رأيتها علّني أحلم، لكنها شعرت بوجودي، حملت طفلي بين ذراعيها ثم عادت إلى لوحتها، ضاع صوتي حينها وأبى الخروج، لحظات بعدها قذفت من لوحتها دمية تشبه طفلي، لكن لا حياة فيه، وجهه أزرق هربت منه الحياة كما هربت من شراييني، كيف سأواجه زوجتي، كيف سأخبرها ما حدث لطفلنا، من سيصدق كلماتي حينما أخبرهم بما حدث؟!

وقفت أمام لوحتها أتوسلها أن تعيد طفلي فلا ذنب له ولا ذنب لزوجتي، وافقت بشرط، حينها سألتها:
– وما الشرط؟!
– أن أهديها مئة رجل؛ فدماؤهم تجعلها شابة كما دماء الأطفال.
أغلقت الغرفة بعدما أبرمت معها العهد، انتقلت أنا وزوجتي وطفلي وقمت بتأجير المنزل، البعض صان العهد، والبعض خانه، فمن خانه كان لها، ومن صانه تركته. حينما قابلتك واجهت صراعا بداخلي، تمنيت أن تصون العهد حتى تنجو منها، لكنك خنتني، فهنيئا لها بك.

كلماته صابتني بالصمم، حاولت الهروب، إلا أن باب الغرفة فتح ليخرج منه سائل أسود يشبه الحبر غلّف جسدي، شعرت أن المياه تملأ رئتيّ، حاولت الصراخ، لكن بلا فائدة؛ فقد نلت جزاء تطفلي.

تمت المراجعة والتنسيق من قبل فريق ريمونارف.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي