تُلهمنا خواطرنا أحيانًا بأفكار غير مألوفة، غير واقعية عن أفكار من حولنا، كأن نستلهم منها صورًا للحياة بارعة الجمال. نتمنى لو أتيحت لنا الفرصة أن نختبىء داخل تلك الصور ما تبقى من العمر. أو على الأقل لبعض الوقت. فللخواطر جنون كما باقي الفنون والآداب هي الأخرى. وإن لم تكن، فهي أعقلهم.
وما بين الواقع الذي نعيشه. وجنون أرض واقعها. تفاصيل حقيقية مزجت الواقعين ببساطةٍ طاغية. مجردة من أي مُعتركٍ لأفكارك يجول بساحة إيمانك. عن أي جنونٍ جائز في تلك الصور..
لا جَرمَ أن تنصبّ بعض من أفكارنا فى بحر الخيال. لعل بعدها تتغير نظرتنا التي كانت ترنو للعالم من خلال عدسةٍ مصغرة. فيا لروعتها لو استبدلت بعدسة مكبرة تنتقل بنا إلى ما وراء كواليس الصور الصغيرة بمختلف ألوانها!.
أرأيت تلك الفراشة التى تحوم بجناحيها المُزركشين تحت ظل الشجرة في ساعة الظهيرة بين الحشائشِ؟!. فذاك المشهد يأخذني أخذَا. وتساور نفسي فكرة أن أكون كمثلها. ههههههههههههه. نعم. أن أكون فراشة!!!
لم لا؟ فكثيرًا ما أفتح لها نافذتي. وتدخُل عالمي، وتتطلع عليه. وتخوض كل الجوانب بأجنحتها دون أن يعترضها عارض. وتلمس كل حياتي، حتى كلماتي تسمعها، لكن لا أعلم. هل تفهم لغتي؟
من حقي أيضًا أن أُبحر في عالمها. وبالفعل سرت وراءها دؤوبة للوصول إلى مأوى أو مصدر لها. لكني بذلت مجهودا لم يكن له إلا شيء من العبث. لكني حاولت، وانتصرت على ذاتي في تنفيذ تلك الفكرة.
النملة
وما بالك بتلك النملة! ضئيلة الحجم. وبالرغم من ضآلتها إلا أنها تقتحم البيوت من أوسع أبوابها. وكأنها محارب لا يعجزه كل أسلحة العالم الفتاكة. يصرُّ على البقاء، رغم رفضنا وجوده معنا على أرض واقعنا. فأترقبها وهي تحمل مخزونها. تقصد ثقبا لا يتعدى مساحته مليمترًا أو أقل. فلو كان بيدي، لدخلت. بل لاقتحمت ساحتها الخفية فيما وراء الجدران. لمُجرد أن أًشاركها بعض الوقت، لكن شتان ما بيني وبينها. أقصد الاختلاف هنا ليس في الحجم. إنما في طريقة التفكير. فهل ستسمح لي أن أخوض عالمها، أم ستضلِّلُني كما فعلت الفراشةُ بي هي الأخرى؟!
لكن انظر، هناك طائرٌ يحلق بجناحيه. لا يكتفي بالتحليق وحسب. إنَّما لاحظت ثمة شيئا عالقا بفمه. لا أدري من أين أتى به. لكن كل ما يثير دهشتي أنه يحلق في الأفق بعيدًا، ثمَّ لم يلبث أن يأتي بذاك الشيء القليل. ويهبط على عشه العالق بطرفِ الشجرة. يدور حديثٌ بينه وبين صغاره في أروع صورةٍ من صور الحياة. تودّ لو يحالفك الحظ أن تكسر حواجز المكان. وتنتقل من الواقع إلى اللاواقع معهم. لمجرد أن تشاركهم تلك اللحظة.
لقد تركت فينا تلك الصور جمالًا لبعض معانيها. في حين أنها أخذت شغاف القلب. فقد رأينا فيها كل ما تحمله من معاني الجمال دون أن نأخذ شيئًا.
يقول محمد حسين هيكل: “وإذا كان النابغة الموسيقي بيتهوفن قد قضى حياته يلتمس أن يضع الناس لحن المسرة حتى وفق إلى وضعه. لأنه رأى المسرة مفتاح السعادة والأمل الباسم. فأدب الربيع فيه ألحان المسرة. وما أحوج عالمنا العربي إليها”