أدبي

الأصم

قصة قصيرة

وقت النشر : 2021/12/21 03:56:15 PM

الأصم
بقلم: سماح رشاد

بعد أن أغلق باب غرفته بسطح البيت، تحرك بخطوات رشيقة سريعة رغم ثقل وزنه وضخامة جسده، نزل الدرج برشاقة إلى إن وصل لشقة سيده، دق بابها ثلاثًا ثم انتظر أن يُفتح له، طال انتظاره، لكن أخيرًا فُتح الباب، رأى ابنة سيده أمامه بوجهها الصبوح المتشح بحمرة الحياء، مضيئًا بابتسامة يعرفها ويحفظ ألوان لوحتها البريئة، ابتسم هو الآخر، أشار إلى قلبه لها أن أنتِ به وداخله، هز رأسه ثم وضع يده قرب جبهته أن “صباح الخير”، أشار أنه يريد مفتاح الصالون ليذهب قبل سيده، ردت بشغف يطل من عينيها:
– أسعد الله صباحك، حالا سآتي لك بالمفتاح.
مدت يدها له به، أخذه منها وأمسك يدها بين راحتيه، وأشار لها على إصبعها موضع الخاتم ليخبرها بإشارته هذه أنه سيحدث أباها اليوم عن موضوع زواجهما، فرحت الفتاة للغاية، أهدته ابتسامة كبيرة، ركضت فرحة وعيناها تعانق عينيه، فقد أحبته منذ كانا صغيرين، كم كان حنونًا عليها ويعاملها كأميرة دائمًا!
باغتها بقبلة صغيرة على يدها وهي سارحة به، خجلت كثيرًا وركضت من أمامه إلى الشقة مغلقة الباب لتختفي وراء الباب غارقة بخجلها.

وصل بعد دقائق إلى محل الحلاقة الذي يعمل به منذ سنوات، الحقيقة أنه منذ أن وطأت قدماه أرض الحارة وهم يعدونه غريبًا، فكان حديثها الخفيض الدائم ورغم مرور سنين طويلة على وجوده بينهم، لكنهم لا زالوا يتهامسون عليه!
‏ ‏فتح الصالون، ثم شرع يمسح المرايا مستخدمًا خرقة بالية، كنس الأرض، عدل وضع الكراسي، رش الماء هنا وهناك أمامه، أعد فنجان قهوة، ثم جلس أرضًا وشرد بعيدًا يتذكر كيف كان أول يوم له بالحارة، وكيف وجده صاحب المحل، وعندما أخذه لبيته وسلمه لزوجته التي وضعت له فراشًا بالمطبخ، ومن يومها وهو يقيم ببيت الحلاق الذي عانى من قسوته ومعاملته الجافة والضرب الدائم ومعاملته كخادم ومناداته له بالأطرش، أصبح شابًا يافعًا كارهًا للرجل وللحارة، أصبح يمقت الجميع، نفض عن رأسه غبار الذكريات عندما رأى سيده آتيا من بعيد، فوقف وكأنه عسكري تشريفة، لم يلق عليه السلام، فقط سأله بصوت أجش معنفًا إياه ولكز كتفه بقبضته:
‏ – هل نظفت المحل والأدوات؟
‏ ‏أومأ برأسه أن نعم، فهو لا يتحدث مثلما لا يسمع، لكنه عرف حركات الشفاه من التكرار.
عاد لجلسته، وراح يحلم بحبيبته ابنة سيده وكلفه بها، سرح في الأحلام معها، ثم اغتم فجأة وذهب تفكيره إلى الكآبة إذ كيف سيخبر سيده أنه يريد أن يتزوج ابنته، كيف يخبره أنها أيضا تريده، لا بد أنه سيثور ويهيج ويتوعد بطرده وتذكيره بأصله الذي بلا أصل، الحواجز بينهم كبيرة، ما بين غلظة الرجل وسوء معاملته له، واعتباره خادمًا وجميلهُ عليه أنه أواه
لم يملك الشجاعة الكافية بسبب ذلك فهناك الكثير مما يحول دون تحقيق حلمه!
‏فيما كان الفتى يحلم، نظر له سيده نظرة بغض وتعالٍ، وتذكر يوم ابتلي به ذات أصيل وهو بسن الأربع سنوات أو أقل واقفًا بمنتصف الشارع قبالة صالونه بالحارة القديمة، كان بدينا، باكيا، صامتا، الذباب يأكل من وجهه، تقدم بخطواته حتى أصبح أمامه، جثا على ركبتيه ناظرًا لوجهه سائلا إياه:
‏- لماذا تبكي؟ أين أمك؟ هل أنت وحدك؟
‏نظر الصغير لحركات شفتيه وحركات يده، أطبق فمه ونظر بمكان آخر وكأنه لا يبالي – هكذا ظن- فسأله مرة أخرى:
‏- هل أنت تائه؟ ما اسمك؟ من أين أنت؟
‏بعيون زائغة متأملة الأرض لم يرد أيضا وكأنه لم يسمع، تأفف الرجل وتنهد بنفاد صبر:
‏- هيا اذهب من هنا، لا ينقصني إلا أطفال الشوارع.. وأيضا لا يسمع، ثم دفعه بيده، لينكب على وجهه أرضًا، تركه ودخل صالونه بعدما تذمر أحد الزبائن ونادى عليه، دخل الرجل محله وانسدلت ستائره المتحركة وراءه، في حين دخل الصغير بموجة بكاء حتى أنهك كليًا وسكت من التعب، نظر للمحل وتوجه إليه ثم جلس على الأرض وأسند ظهره لحائط واجهته.

بعد وقت غلبه النعاس فتكور على نفسه وذهب في نوم عميق حتى انتهى الرجل من العمل ولم يعد هناك زبائن، أغلق المحل وتأهب للمضي لبيته فإذا به يجد الصغير متكومًا بجانب محله، أخذ يتساءل: ماذا أفعل؟ أتركه وأمضي أم أوقظه؟ أخذ يناديه، ويخبره أن يقوم ويذهب، لكنه، ‏لم يستجب، فلكزه بقدمه عدة مرات، فقام الصغير فزعًا، وبدأ في البكاء.
تضايق الرجل وأعاد عليه الأسئلة فلم يجب أيضا، تذمر الرجل وصرخ به:
‏- ابتعد من هنا، هيا سريعا. وركله مرة أخرى
‏بدأ الصغير بالصراخ والبكاء من الألم وعلا صوته، انزعج الرجل فشده من يده يجره ويحدثه: هيا سنذهب للمسجد نطلب من الشيخ أن ينادي عن طفل تائه حتى أتخلص منك. بالفعل توجه لأحد المساجد فأخبره الشيخ إن جاء أحد يسأل عنه سيرسله إلى بيته، سكت متكدرا مغتاظًا محدثا نفسه: وهل سآخذه معي، وماذا سأفعل به، هل ينقصني ابتلاء بولد من الشارع، جره من يده وهو يفكر بعد أن هدأ قليلا، يمكنني أن أبقي عليه، فليس لدي إلا ابنة وليس هناك من يساعدني، سأربيه ويقوم على خدمتي والعمل بالصالون دون أجر، سيكون أجره لقمته وسكنه، وهكذا اقتنع بالفكرة وهو الرابح الأكبر بذلك القرار، ورغم إخلاص الفتى إلا أن الرجل لم يحبه يومًا قط!
‏نفض الفتى الأفكار السيئة عنه، وقرر التحدث له عن الأمر بالإشارات التي اختلقها ولم يتعلمها ويفهمها الرجل من طول العشرة، توجه إليه وهو يجلس على كرسيه أمام الصالون، وأخذ يشير بيده ليفهم منه أنه يريد أن يحدثه بأمر، قال الرجل بتململ:
‏-ماذا تريد؟ اختصر فرأسي ممتلئ بالصداع منذ استيقظت ولا أتحمل غباءك وهمهماتك وصرخاتك مثل ماعز.
‏أكثر الإشارات بعصبية وسرعة نحو إصبعه ونحو كتاب، وغيرها من الإشارات فلم يفهم الرجل، سأله متعجبا:
‏- ماذا تريد، ما موضوع الخاتم وأي كتاب تقصد؟
‏أعاد الفتى الإشارات مع توضيح أكثر، فأشار على رأسه إشارة شعر طويل، وعلى صدره بقصر قامة، ثم على بيت السيد فزاد غضب الرجل ناهرًا إياه وهو يشير بيديه ببعض الإشارات:
‏- تريد الزواج؟ هل أنت مغفل! أي فتاة تقصد؟ ابنتي؟ ابنتي أيها الحقير اللقيط، هل جننت لتتطلع إلى أسيادك، تنظر لابنتي، كيف تجرؤ؟ لا بد من طردك، اذهب من هنا، هيا أسرع، أريدك أن تختفي من أمامي، لا أريد رؤيتك بعد الآن.
‏ تسمر الفتى أمامه لا يعرف ما ألمّ به، غضب الرجل من تسمره، وهم بصفعه كعادته عندما يخطئ، لكن هذه المرة بغضب عارم.
كان الفتى دائم الخنوع والرضوخ ليد الرجل رغم أن جسده ثلاثة أضعاف جسده، لكنه لم يفكر يومًا بالاعتراض أو الهرب أو معاركته، كان أسير تفضله عليه واحتوائه ببيته، لكن هذه المرة لم يستطع، مسك ذراعه قبل أن يمس وجهه، نظر له بتحدٍ ثم لوى ذراعه خلف ظهره وجره لداخل المحل، ولأن الوقت باكرا لم ير أحد ما حدث!
‏في الظهيرة أغلق الفتى الصالون وذهب للبيت، صعد الدرج حتى وصل إلى شقة الرجل، دق الباب لتفتح له الفتاة، ما إن رأته ابتسمت لرؤيته، أشار لها أن تنادي لأمها، استغربت، لكنها فعلت، أتت السيدة متسائلة ما الأمر، أشار لها أن السيد لم يأت اليوم إلى الصالون، انتظرته طويلًا وملّ الزبائن من الانتظار فرحلوا فأغلقت وأتيت لأسأل عنه لعله مريض، فهمت السيدة والفتاة فدب الخوف بقلبيهما، نظرا لبعضهما بعيون متسائلة مرعوبة، ردت السيدة بملامح تشوبها صفرة الفزع والترقب وهي تشير إليه:
‏- كيف ذلك؟ لقد خرج بموعده المعتاد صباحًا.
‏جحظت عينا الفتى مصطنعًا عدم التصديق مشيرا بيده هنا وهناك بمعنى أنه لم يأت للصالون ولم يره اليوم، صرخت السيدة صرخة مدوية صمت لها العالم.

ذات صلة

مرت أيام وأسابيع وأشهر ولم يظهر السيد، في حين استلم الفتى مهام الصالون لأن الرجل لا يملك أبناء غير الفتاة، فاستلم كل المهام، الصالون، والبيت، ورعايتهم، لقد أصبح الأطرش السيد، وزوج الفتاة وصهر المفقود والابن المخلص الطيع للأم!

ذات صباح كعادته يذهب إلى الصالون ليفتحه ويقوم بالتنظيف والترتيب، ثم الجلوس وممارسة طقسه المستجد بعد احتساء قهوته منذ اختفاء السيد، يشعل البخور وينظر للأفق ويبتسم ويبكي بنفس الوقت يسأل نفسه: هل أحببت السيد أم كرهته؟ كان عليه أن يكون أبًا جيدًا حتى لو كنت ابن شوارع، لقد اختار القسوة والجفاء والغلظة، أراني من صنوفها ألوانًا، مرت أيام وسنوات عصيبة جعلتني أحتار بين كرهي وحبي له، لكنه اختار مصيره، فكما تعطي تُعطى بنفس الطريقة، لكني حزين عليه قليلًا.
ثم يعود للابتسام ويرسل كلمات امتنان للسيد في مرقده الذي دفنه به، يشكره تربيته ومنحه إياه الفتاة والبيت والصالون، يضحك بهستيريا من جديد ثم يخفيها في حين يسمع بكاء طفل صغير يقف في الحارة الضيقة.

الأصم.

تمت المراجعة والتنسيق من قبل فريق ريمونارف.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى